المبحث الثاني
في كيفية تجاوز الأئمة للخلاف في أدلة الشريعة
المطلب الأول: علمهم بأن الشريعة جاءت من حيث الأمر والنهي على مرتبتين
(تخفيف وتشديد) :
وما يوضح ذلك: أن جميع المكلفين لا يخرجون عن قسمين قوي وضعيف من حيث إيمانه أو جسمه في كل عصر وزمان، فمن قوي منهم كما ذكر خوطب بالتشديد والأخذ بالعزائم، ومن ضعف خوطب بالتخفيف والأخذ بالرخص. وكل منهما حينئذ على شريعة من ربه وتبيان، فلا يؤمر القوي بالنزول إلى الرخصة، ولا يكلف الضعيف بالصعود إلى العزيمة.
وقد وقع الخلاف في أغلب أدلة الشريعة وفي أقوال علمائها، فالملاحظ أن كل قول ومقابله نجد أحدهما مخففًا والآخر مشددًا ولكل منهما رجال، ونادرًا أن لا يوجد قولان معًا في حكم واحد مخففان أو مشددان، وقد يكون في المسألة الواحدة ثلاثة أقوال أو أكثر، فالحاذق يرد كل قول إلى ما يناسبه ويقاربه من التخفيف والتشديد حسب الإمكان، وقد قال الإمام الشافعي وغيره: (إن إعمال الحديثين أو القولين أولى من إلغاء أحدهما) [1] ، وإن ذلك من كمال مقام الإيمان.
المطلب الثاني: علمهم بأن الله تعالى أمرهم بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه:
(1) انظر التقرير والتحبير ص 3، حاشية العطار على شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع 3/ 477.