فعبارة الشافعي هذه لا تنم إلا عن الحق، ولا تشير إلا بالبحث عن الحق، فالحق رائدهم، والحق مطلبهم، وقد قرروا ذلك جميعًا حين أشاروا إلى تلاميذهم بأنه إذا صح الحديث فهو مذهبهم، وإذا ما بدأ الإنسان البحث في موضوع خلافي، وترجح لديه جانب إمام معين، ومذهب من مذاهب علماء الأمة، فذلك لا يعني الانتقاص من جانب الآخرين؛ إذ قد كفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأجر للطرفين، المخطئ والمصيب، وذلك في قوله: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) [1] .
وقال علية الصلاة والسلام: (عند نبي لا ينبغي التنازع) [2] ومعلوم أن نزاع الإنسان لعلماء الشريعة وجدالهم وطلب إدحاض حجتهم كالجدال معه - صلى الله عليه وسلم - وإن تفاوت المقام في العلم فإن العلماء على مدرجة الرسل درجوا. فكما يجب علينا الإيمان والتصديق بكل ماجاء به الرسل وأن نفهم حكمته، فكذلك يجب علينا الإيمان والتصديق بكلام الأئمة وإن لم يفهموا علته حتى يأتينا من الشارع ما يخالفه. وروي عن الإمام الشافعي أنه كان يقول: التسليم نصف الإيمان، وقال الربيع الجيزي: بل هو الإيمان كله يا أبا عبد الله فقال هو كذلك [3] .
المطلب الثاني: إن اجتهاد الأئمة الأربعة المجتهدين ما هو إلا تأسٍ برسول الله - صلى الله عليه وسلم:
فقد يقول قائل ما دليل المجتهدين في زيادتهم الأحكام التي استنبطوها على صريح الكتاب والسنة، وهلا كانوا وقفوا على حدود ما ورد صريحًا فقط ولم
(1) انظر صحيح البخاري 24/ 166 رقم 7352، صحيح مسلم 11/ 395 رقم 4584.
(2) انظر صحيح البخاري 11/ 122 رقم 3053، صحيح مسلم 11/ 79 رقم 4319.
(3) انظر مجلة البحوث الإسلامية 6/ 407.