قد أمرنا الله تعالى بأن نقيم الدين ولا نتفرق فيه حفظًا له عن التهدم، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] .
كما أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم، ليقوموا بواجبهم ليحوزوا الثواب المرتب على ذلك في الآخرة، فعلينا أن نعتقد ذلك بقلوبنا، ولنخرج من يقول ذلك بلسانه ولم يعتقد بجنانه متلبس بصفات النفاق الأصغر الذي ذمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاسيما وقد ذم الله تعالي منافقي الكفار بنفاقهم زيادة على ذمهم بصفة كفرهم في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] .
ومعلوم أن كل ما عابه الله على الكفار فالمسلمون أولى بالتنزه عنه. وليسد المقلدون باب المبادرة إلى الإنكار على من خالف قواعد مذهبهم ممن هو من أهل الاجتهاد في الشريعة فإنه على هدى من ربه، وربما أظهر مستنده في مذهبه لمن أنكر عليه فأذعن له، هذا من جملة مقاصدي من هذا البحث (وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) [1] .
فإننا إذا نظرنا بعين الإنصاف تحقق الاعتقاد أن سائر الأئمة الأربعة ومقلديهم على هدى من ربهم ولم نعترض قط على من تمسك بمذهب من
(1) انظر صحيح البخاري 1/ 201، صحيح مسلم 3/ 1515.