الفقهية تعبِّر عن حكم شرعيٍّ كليٍّ، وكانت القاعدة المقصدية تعبِّر عن غاية تشريعيّةٍ عامّةٍ، وكانت الأحكام هي وسائلُ لإقامة المقاصد وطرق تحقيقها؛ ترتَّبَ عن ذلك: أن تكون القاعدة المقصدية مقدَّمةً على القاعدة الفقهية؛ لأنَّ الغاياتِ مقدمةٌ على الوسائل، والقاعدةُ الفقهية تعبِّر عادةً عن حُكْمٍ، والقاعدةُ المقصديَّة تعبِّر عن غايةٍ، وأنَّ القواعد الفقهية ذاتَها لَتَنُصُّ بصراحة على أنَّ:"مراعاة المقاصد مقدمة على غاية الوسائل أبدا" [1] [154] .
وعلى هذا: فإنَّ مراعاة القواعد التي تُجَسِّدُ المقاصدَ والغاياتِ، مقدَّمَةٌ على مراعاة القواعد الفقهية التي تُجسِّد وسائلَ إقامة المقاصد؛ لأنَّ الغاية مقدَّمة على الوسيلة؛ وما الوسيلة إلا خادِمٌ للمقصد والغاية [2] [155] .
ورغم ما يظهر من فروق بين القاعدتين، إلاَّ أنَّ غايتَهما النهائيةَ واحدةٌ؛ وهى الوقوف على حُكْمِ الشارع في الوقائع والمستجَدَّات وِفْقَ ما أراده الشارعُ وابتغاه، فكِلاَ القاعدتين في النهاية وسائلُ إسعافِ المجتهِد بالقواعد العامَّة التي يتحتَّم عليه مراعاتُها والإحاطةُ بها عند بيانه للأحكام، وتقف هذه القواعد جَنبا إلى جنبٍ لإثراء المجتهِد بمجموعةٍ كبيرة من الأدلَّة التي تعينه عند النظر، والاستدلال، والتعليل، والترجيح بين المصالح والأحكام في حال تعارضها.
ولعلَّ منشأَ الزلل في بعض الاجتهادات المعاصرة، يعود إلى عدم مراعاة الكليات التشريعية المتمثِّلة في القواعد الفقهية والمقصديّة عند دراسة النصوص، والاكتفاءِ بتحكيم القواعد الأصولية لاستفادة الحكم دون أن يقترن بذلك نظرٌ إلى المعاني التشريعية العامَّة التي هي من صميم مقاصد الشريعة الإسلامية، فلا يصحُّ إذن دراسةُ الجزئيات بمعزلٍ عن الكليات التي تُوَجِّه تلك الجزئيات، ولا دراسةَ للفروع بعيدا عن القواعد [3] [156] .
ولا يفوتني أن أشير إلى أهمية هذه القواعد في إثراء الفقه الإسلامي؛ ذلك أنَّها تُظهر مدي استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام الشرعية، ومراعاتها للحقوق والواجبات،
(1) [154] المقَّري: القواعد، 1/ 330، والقرافي: القروق، 2/ 33.
(2) [155] قواعد المقاصد: عبد الرحمن إبراهيم الكيلاني، ص 72.
(3) [156] قواعد المقاصد: عبد الرحمن الكيلاني، ص 463.