فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 581

فأمَّا أهل الكفر الَّذين كفروا وأصرُّوا وتمرَّدوا فَسَوَاءٌ عليهم ءأنذرتَهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون.

فَمَنْ عَرَفَ الحَقَّ ثمَّ لم يَتَّبِعْهُ من الكفَّار خَتَمَ اللهُ على قلوبهم، وعلى سَمْعِهِم، وعلى أَبْصَارِهِمْ.

وكذلك المؤمنُ إذا عَرَفَ الحَقَّ ولم يَتَّبِعْهُ، عاقبه اللهُ؛ بأن يَلْتَبِسَ عليه، فلا يَعْرِفَ معروفًا، ولا يُنْكِرَ منكرًا.

يجب علينا المبادرةُ في تنفيذ الأوامر والاستجابة لله وللرَّسول؛ لأنَّ من لم يَسْتَجِبْ كان على خَطَرٍ؛ أن يَحُولَ اللهُ بَيْنَ قَلْبِهِ والإيمان.

وفيها أنَّمن يتأثَّر بالذِّكرى أنَّه مُؤْمِنٌ، ومن لا يَقْبَلُ الذِّكرى فليس بمؤمنٍ.

قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الصَّحيحُ أنَّمعنى «يَعْبُدُون» ؛ أي: يوحِّدون؛ لأنَّ اللاَّمَ لامُ الغاية؛ أي: الغايةَ مِنْ خَلْقِهِمْ.

وهذه الآيةُ مِنَ الآَيَاتِ العَظِيمَةِ الَّتي ذَكَرَ اللهُ فيها الحِكْمَةَ مِنْ خَلْقِ الإنس والجنِّ وأنَّهم إنَّما خُلِقُوا لأمرٍ واحدٍ وهو أن يعبدوه ويوحِّدوه ولا يشركوا به شيئًا.

اعلم بأنَّ الله - جلَّ وعلا - لم يَخْلُقِ الخَلْقَ سُدًى وهملًا، بل خَلَقَ الخَلْقَ ليعبدوه، وبالألوهيَّة يوحِّدوه.

فَمَنْ عَبَدَ اللهَ حقَّق الحِكْمَةَ من وجوده، وَمَنْ عصى اللهَ ولم يعبده لم يحقِّق الحِكْمَةَ من وجوده.

حَصْرُ الحِكْمَةِ في خَلْقِ الجِنِّ والإنس في العبادة فقط؛ فَخَلْقُ الخلق لعبادته؛ فَلَمْ يَخْلُقْنَا لنأكل، ولم يخلقنا لنشرب، ولم يخلقنا للتَّناكح، بل خَلَقَنَا جميعًا لعبادته، وخلقنا ليختبرنا؛ من يمتثل الأمر، ومن لا يمتثل، فقال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} .

فهناك غَايَةٌ وَوَسِيلَةٌ؛ فالغَايَةُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} والوَسِيلَةُ: {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ فالإنسانُ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى بَيْتٍ يُؤْيهِ، وَثَوْبٍ يستره، وَطَعَامٍ يأكله، وَشَرَابٍ يَشْرَبُهُ، وكلُّها وسيلةٌ إلى غَايَةٍ وهي عبادةُ الله؛ فمن النَّاسِ من اشتغل بالوسيلة، وَضَيَّعَ الغَايَةَ.

فَمِنَ الخَلْقِ مَنْ عَبَدَ اللهَ، ومنهم من لم يعبده، والعبادةُ توقيفيَّةٌ؛ ليس لنا أن نَأْتِيَ بعباداتٍ مِنْ عِنْدِ أنفسنا؛ {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} .

فَفِي الصَّلاة قال نبيُّنا: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . متفق عليه.

وقال في الحجِّ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . النسائي، صحيح الجامع. وَنَهَى عن البِدَعِ؛ «وكلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» . رواه أحمد و مسلم و النسائي. ومُخْتَصَرُ الكلام العباداتُ كلُّها توقيفيَّةٌ.

لمَّا بَيَّنَ - سبحانه- أنَّهما خَلَقَ الخَلْقَ إلاَّ لِعِبَادَتِهِ، وأنَّه خَلَقَنَا ليختبرنا ليعلم من المطيع ومن العاصي، بيَّن بَعْدَهَا غِنَاهُ عن الخَلْقِ.

قوله: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} .

بَيَّنَ العلَّة في كونهلم يَخْلُقْهُمْ مِنْ أجل أن يرزقوه؛ فهو الرَّزَّاقُ، ولا يُرْزَقُ، وهو الغنيُّ عن جميع مخلوقاته، ومخلوقاتُه كلُّها مفتقرةٌ إليه، وهو غيرُ محتاجٍ إليهم.

وهو الغنيُّ عن جميع الخَلْقِ؛ أطاعوه أم عَصَوْهُ؛ ففي الحديث: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآَخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا» .

بيَّن هنا أنَّه أَمَرَنَا بعبادته، لا لِحَاجَتِهِ إلينا؛ ففي الحديث: «يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآَخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. رواه مسلم.

كما قال الله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ العَالَمِين} .

وقال موسى: {إِنْتَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيد} .

ولا يظنَّ الإنسانُ أنّاللهَ خَلَقَهُ لِحَاجَتِهِ؛ فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عن جميع المخلوقات، وَجَمِيعَ المخلوقات محتاجةٌإليه، حتَّى العرش اللهُ غَنِيٌّ عنه؛ بمعنى أنّالعَرْشَ ما يُمْسِكُهُ إلاَّ اللهُ؛ فالله قَائِمٌ بذاته، ومقيمٌ لكلِّ شيءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت