فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 581

فانْتَقَلَ إلى نَفْخَةِ الصُّور والخروج من القبور للحساب والجزاء، ذلك يَوْمُ الوَعِيدِ؛ أي: يَوْمَ الحساب، انتهى العملُ، وانتقلوا إلى الحساب.

قوله: {وَجَاءَتْكُلُّنَفْسٍمَعَهَاسَائِقٌوَشَهِيدٌ} : أخبر عن أحوال الخَلْقِ في هذا اليوم، وأنَّ كلَّ أَحَدٍ يأتي الله - سبحانه وتعالى - ذلك اليوم ومعه سَائِقٌ يَسُوقُهُ، وشَهِيدٌ يَشْهَدُ عليه، وهذا غير شهادة جَوَارِحِهِ، وغير شهادة الأرض الَّتي كان عليها تشهد له أوعليه، وغير شهادة رسوله والمؤمنين.

فكلُّ نَفْسٍ تأتي معها سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، وهما على القول الرَّاجح المَلَكَانِ المُوَكَّلانِ بِحِفْظِ العمل؛ أحدُهما يَسُوقُهُ، والآخَرُ يَشْهَدُ عليه بما عَمِلَ مِنْ عَمَلٍ.

فإنَّ الله - سبحانه - يَسْتَشْهِدُ على العباد الحَفَظَةَ والأَنْبِيَاءَ والأَمْكِنَةَ الَّتي عملوا عليها الخَيْرَ والشَّرَّ، والجلود الَّتي عَصَوْهُ بها، ولا يَحْكُمُ بينهم بمجرَّد علمه السابق فيهم.

قوله: {لَقَدْكُنْتَفِيغَفْلَةٍمِنْهَذَافَكَشَفْنَاعَنْكَغِطَاءَكَفَبَصَرُكَالْيَوْمَحَدِيدٌ} : وهو الحسابُ والأحداث الَّتي تنتظرك يوم القيامة، كما قال الله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُون} ، {فكشفنا عنك غطاءك} وهو غطاء الغفلة الدَّاءُ العُضَالُ؛ فقد كان ساهيًا لاهيًا غافلًا.

قوله: {فبصرك اليوم حديد} : أي: نَافِذًا. فأصبحت تشاهد الجنَّة والنَّار والحساب؛ كُنْتَ تسمع أنَّهناك حِسَابًا وعقابًا وثوابًا، واليوم أَصْبَحْتَ تشاهده بعدما كنت تسمعه.

قوله: {وَقَالَقَرِينُهُهَذَامَالَدَيَّعَتِيدٌ (23) أَلْقِيَافِيجَهَنَّمَكُلَّكَفَّارٍعَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍلِلْخَيْرِمُعْتَدٍمُرِيبٍ (25) الَّذِيجَعَلَمَعَاللَّهِإِلَهًاآَخَرَفَأَلْقِيَاهُفِيالْعَذَابِالشَّدِيدِ (26) قَالَقَرِينُهُرَبَّنَامَاأَطْغَيْتُهُوَلَكِنْكَانَفِيضَلَالٍبَعِيدٍ} : وهو الَّذي قُرِنَ به في الدُّنيا من الملائكة يَكْتُبُ عَمَلَهُ وَقَوْلَهُ؛ يقول لمَّا يحضره. أي: هذا الشَّخص الَّذي وكِّلتُ به، وهذا عملُه الَّذي أَحْصَيْتُهُ عليه.

قوله {ألقيا في جهنم} : «أَلْقِيَا» الخِطَابُ للمَلَكَانِ، ثمَّ ذَكَرَ صِفَاتِ هذا المُلْقَى، فَذَكَرَ لَهُ سِتَّ صِفَاتٍ:

-أوَّلًا: «كلَّ كفَّارٍ» أي: كَثِيرَ الكُفْرِ، كفَّارًا لِنِعَمِ الله وحقوقه، كفَّارًا بِدِينِهِ وتوحيده.

-ثانيًا: «عَنِيدٍ» أي: مُصِرٍّ على كُفْرِهِ، ومعاندٍ للحقِّ.

-ثالثًا: «مَنَّاعٍ للخير» ؛ وهذا يَعُمُّ مَنْعَهُ للخير؛ سَوَاءٌ عن نَفْسِهِ أو عن غيره، فلا يفعل الخير، ويمنعه عن الغير.

-رابعًا: «مُعْتَدٍ» ؛ أي: ظَالِمٍ؛ فهو مُعْتَدٍ على غَيْرِهِ بِلِسَانِهِ، أَوْ يَدِهِ؛ فلا يَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ.

-خامسًا: و «مُرِيبٍ» سَيِّئِ الظُّنُونِ؛ أي: صَاحِبَ رِيبَةٍ وَشَكٍّمُوَاتٍ لكلِّ رِيَبِة.

-سادسًا: «جَعَلَ مع الله إِلَهًاآَخَرَ» . أي الإِشْرَاكَ باللهِ. وَهُوَ وَصْفٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ ما يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله.

قوله: {قال قرينه ربنا} : أَخْبَرَ - سبحانه - عن اختصامِ الكفَّار والشَّياطين بين يَدَيْهِ، وَتَبَرِّي الشَّيطان منهم؛ فَيَخْتَصِمَ الكافرُ والفَاجِرُ مع قَرِينِهِ من الشَّياطين عند الله، ويُلْقِي باللاَّئِمَةِ على الشَّيطان، وأنَّه هو الَّذي أَطْغَاهُ وأضلَّه، فيقول قَرِينُهُ: «لَمْ يَكُنْ لِي قُوَّةٌ أَنْأُضِلَّهُ وَأُطْغِيَهُ، ولكن كان في ضَلالٍ بَعِيدٍ؛ أَيْ: في طَرِيقٍ بَعِيدٍ عن الهدى» .

أي الشَّيطان يقول: {أنا ما أَطْغَيْتُهُ، ولكن كان في ضَلالٍ بَعِيدٍ} ؛ لأنَّه لا يمكن لمخلوقٍ أن يُضِلَّ مخلوقًا إلاَّ إذا كان عِنْدَهُ رَغْبَةٌ في الضَّلال، أو استعدادٌ للضَّلال، أو عنده اختيارٌ للضَّلال.

قوله: {قَالَلَاتَخْتَصِمُوالَدَيَّوَقَدْقَدَّمْتُإِلَيْكُمْبِالْوَعِيدِ} : يُخَاطِبُ اللهُ الإنسانَ والشَّيطانَ؛ لأنَّ الحُجَّةَ قَائِمَةٌ عليكم؛ فقد {قدَّمتُ إليكم بالوعيد} ؛ أي: وَعْدَهُ لأَهْلِ الكُفْرِ والعِصْيَانِ بالنَّار.

قوله: {مَايُبَدَّلُالْقَوْلُلَدَيَّوَمَاأَنَابِظَلَّامٍلِلْعَبِيدِ} : أي لا يُبَدَّلُ ولا يُخْلَفُ.

قوله: {وما انا بظلام للعبيد} : اللهُ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا، وَمَا نَزَلَ بِهِمْ فَبِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ؛ فاللهُ لا يعذِّب أحدًابِغَيْرِ فِعْلِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت