فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 581

وفي الحديث في «الصَّحِيحَيْنِ» : «كان النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم - أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُمْ خَلْقًا» .

وفيها فائدةٌ: لا قِيمَةَ لِكَلامِ البشر مَدْحًا وَذَمًّا، المهمُّ تَزْكِيَةُ اللهِ لك.

قوله: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ} : أي سَتَعْلَمُ ويعلمون؛ فستعلم يا محمَّدُ وسيعلم مخالفوك مَنِ المَفْتُونُ الضَّالُّ، وأنَّ ذلك يَوْمَ القيامة حينما تحقُّ الحقائق، ومن الأَحَقُّ بذلك الوَصْفِ، ومن ضيَّع آخرتَه وأطاع عدوَّه.

قوله: {بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ} : أَيِ: المَجْنُونَ، أو الضَّالَّ، أو المَخْذُولَ الَّذي عنده الخَطَأُ، وليس عِنْدَهُ حَقٌّ.

وقيل: «المفتون الضَّالُّ» . وقيل: الشَّيطان. ومثل هذا رموا به أَتْبَاعَ الأنبياء، كقوله: {وَإذا رَاوهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ} .

يَسْخَرُونَ من المؤمنين، ويرمونهم بالجنون، والعظائم الَّتي هم أَوْلَى بها منهم.

قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} : أي لا تَخْفَى عليه خَافِيَةٌ، وهذه دَعْوَى لا تروج على الله، وإن ادَّعى أهل الباطل وروَّجوا على النَّاس، فلا تروج على الله، وهو أعلمُ بالمهتدين، وإن ادَّعوا العَكْسَ؛ أنَّهم على الحقِّ.

وهذا الأمرُ يدَّعيه أهلُ النِّفاق، وهم على هذا الوَصْفِ يَسْخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الإسلام، ويدَّعون أنَّهم على الحقِّ.

فيها تَحْذِيرٌ وَتَهْدِيدٌ وَوَعْدٌ وَوَعِيدٌ، وفيها طَمْأَنَةٌ للرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابه.

قوله: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} : لا تُطِعْهُمْ في التَّنازل عن الحقِّ، أو عن بَعْضِهِ.

دينُنا لا يقبل المساومة؛ فلا نتنازل عنه مِنْ أَجْلِ الكفَّار، أَوْ مِنْ أَجْلِ جَلْبِهِم للإسلام؛ لأنَّهم يحاولون أن يتنازل عن دينه، أو بعض دينه، وأرادوه على أن يعبد الله مدَّةً، وآلهتَهم مدَّةً من أجل التَّعايش؛ فَأَمَرَهُ اللهُألاَّ يُطِيعَ المكذِّبين.

وهو ما يسمَّى اليَوْمَ حرِّيَّة العقيدة، التَّعايش السِّلمي والتَّسامح، وكلُّ حرٍّ على دينه، أو يطلبون التَّعاون معهم في الأمور المشتركة بين الجميع ما يسمَّى دعوة القِيَمِ والكَرَمِ، وصلة الأرحام، وبرِّ الوالدين، وترك الفواحش، بشرط ألاَّ تنبع من توحيدٍ أو إيمانٍ.

أمَّا لو دعوتهم إلى توحيدٍ وإيمانٍ يصدر منه كلُّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، رَفَضُوهُ.

ولكنَّ هذا الأَمْرَ ليس جديدًا؛ فقد سَاوَمَ الكفَّارُ نبيَّنا محمَّدًا- صلَّى الله عليه وسلَّم - على تَرْكِ الدَّعوة، وَعَرَضُوا عليه الدُّنيا.

قال عمُّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - له: يا ابْنَ أخي .. إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مالًا، جَمَعْنَا لك مِنْ أموالنا، حتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مالًا، وَإِنْ كُنْتَ تريد به شَرَفًا، سَوَّدْنَاكَ علينا حتَّى لا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تريد به مُلْكًا، ملَّكْنَاكَ علينا.

فقال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم: «وَاللهِ يَا عَمُّ، لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالقَمَرَ فِي شِمَالِي، عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ، مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلِكَ دُونَهُ» . ضعفه الألباني في الضعيفة.

يؤكِّد لنا أنَّ أَعْدَاءَ الإسلام إذا يَئِسُوا من صَدِّ الدَّعوة بالقوَّة، استخدموا أسلوب الإغراء.

لا يجوز التَّنازلُ عن الدِّين إِرْضَاءً للكفَّار، أَوْ مِنْ أَجْلِ جَلْبِهِمْ للإسلام.

قوله: {وَدُّوالَوْتُدْهِنُفَيُدْهِنُونَ} : أي: ودُّوا لو تَلِينُ معهم، فقد طَلَبَ المشركون من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن لا يَذْكُرَ آلهتَهم بِسُوءٍ ولا يَعِيبَهَا، فقط يسكت عنها.

فقال اللهُ تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} . المُدَاهَنَةُ مُحَرَّمَةٌ، وهي التَّنازلُ عن الدِّين أو شَيْءٍ منه.

والمُدَارَاةُ دَفْعُ الشَّرِّ مِنْ غَيْرِ تَنَازُلٍ عن الدِّين، فهذه لا بَأْسَ بها؛ فنعطيهم شيئًا من الدُّنيا لإسكاتهم لوقتٍ، أمَّا تَرْكُ الدِّين أو ما في القرآن، فهذه مُدَاهَنَةٌ، ولا تجوز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت