{وَمَا يَسْطُرُونَ} : أي بالَّذي يكتبون، وما يسطرون في الصَّحائف والكتب. فَأَقْسَمَ بالكتاب وآلته؛ وهو من آياته -سبحانه - وأوَّلُ مخلوقاته.
وفيها فائدة؛ افْتُتِحَتْ ثَلَاثُ سُوَرٍ بالإشارة إلى العلم؛ سورة الرَّحمن والعَلَق والقَلَم.
قوله: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَبِمَجْنُونٍ} :المُقْسَمُ عليه، أَوْ جَوَابُ القَسَمِ ثَلاثُ آياتٍ: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} ، {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} ، {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} .
نَفَى اللهُ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - النَّقْصَ الَّذي يَقْدَحُ فيه، وَأَثْبَتَ لَهُ كُلَّ كَمَالٍ. وهذا يُثْبِتُ عِظَمَ الحقِّ الَّذي هو عليه، وَنَزَّهَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا يقول فيه أَعْدَاؤُهُ.
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} :نِعْمَةُ ربِّك الَّتي هي النُّبُوَّةُ والرِّسالة.
وكيف يكون مجنونًا وقد عَجَزَ جَمِيعُ العقلاء كلِّهم قاطبةًأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ.
وفيها فائدة أنَّه قد يواسيك خَلْقٌ كَثِيرٌ فتطمئنَّ، فكيف إذا كان المواسي لك هو الخالق سبحانه؟
قوله: {بِمَجْنُونٍ} : أي: لَسْتَ بِمَجْنُونٍ.
لأنَّ مَا جَاءَ بِهِ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - من القرآن، وهو في أعلى درجات الفصاحة والبيان، وسليمٌ من الاختلاف والتَّناقُضِ، يدعو إلى أفضل الأعمال والأقوال والأحوال؛ فلو اجتمعوا كلُّهم على أن يأتوا بمثله، ما استطاعوا.
فكيف يُرْمَى بالجنون مَنْ أتى بما عَجَزَ العُقَلاءُ كلُّهُمْ قَاطِبَةًأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ؟ يستحيل أَنْ يَصْدُرَ من مجنونٍ؛ لأنَّه يدعو إلى كلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ، وَيَنْهَى عن كلِّ قَبِيحٍ وَمُضِرٍّ؛ فأين الجنون؟
قوله: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} : أَيْ غَيْرَ مَقْطُوعٍ ولا مَحْسُوبٍ؛ أَيْ: بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ فَأَثْبَتَ له الأَجْرَ الدَّائِمَ على إبلاغِهِ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَصَبْرِهِ على أَذَاهُمْ.
قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} :حُسْنُ خُلُقِهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم - مع الحقِّ ومع الخَلْقِ؛ فَأَدَبُهُ مع الحقِّ لمَّا كَمُلَأَدَبُهُ- صلَّى الله عليه وسلَّم - مع الحقِّ، ومع الخلق، وكملت مراتب العبوديَّة عنده، تَجَاوَزَ السَّبْعَ الطِّباق، وتجاوز سِدْرَةَ المنتهى، وَوَصَلَ إلى محلٍّ من القُرْبِ سَبَقَ بِهِ الأوَّلين والآخرين.
وَأَدَبُهُ مع الخَلْقِ يَتَّضِحُ في سَبْعَةِأُمُورٍ؛ خُلُقِهِ مع أَهْلِهِ، وَخُلُقِهِ مع أصحابه وأُمَّتِهِ- عَلَيْهِ وعلى أمَّته، وأصحابه، وأتباعه إلى يوم القيامة السَّلام - وخُلُقِهِ مع الملائكة الكرام - عليه وعليهم جميعًا الصَّلاة والسلام - وَخُلُقِهِ مع أعدائه من شياطين الإنس والجنِّ.
كيف كان يعاملهم، ويُظْهِرُ حُسْنَ خُلُقِهِ معهم عليه صلواتُ الله وسلامه؟ ومعاملته عليه صلوات الله وسلامه للحيوانات والجمادات.
وسورة [ن] : هي سورة [الخُلُقِ] ، الَّذي هو جماع الدِّين الَّذي بَعَثَ اللهُ به محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال ابنُ عبَّاسٍ: {إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} أَيْ: على دِينٍ عَظِيمٍ، وقاله ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَخَذَهُ أَحْمَدُ عن ابْنِ عُيَيْنَةَ.
فإنَّ الدِّينَ والعادةَ، والخُلُقَ ألفاظٌ متقاربةُ المعنى في الذَّات؛ فالخُلُقُ العَظِيمُ الَّذي وَصَفَ اللهُ به محمَّدًا- صلَّى الله عليه وسلَّم - هو الدِّينُ الجامعُ لِجَمِيعِ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ مُطْلَقًا. هكذا قال مُجَاهِدٌ.
وهو تأويلُ القرآن كما قالت عائشةُ رضي الله عنها: «كَانَ خُلُقُهُ القُرْآَنَ» . رواه البخاري في الأدجب المفرد و الطبراني في الأوسط. يعنى: أَصْبَحَتْأَقْوَالُهُ وأَفْعَالُهُ وَأَحْوَالُهُ مطابقةً للقرآن؛ فمهما أَمَرَ القرآنُ، فَعَلَهُ - صلى الله عليه وسلم -، ومهما نَهَاهُ عنه تَرَكَهُ - صلى الله عليه وسلم - مع ما جَبَلَهُ اللهُ عليه مِنَ الخُلُقِ العظيم.
وحقيقتُه المُبَادَرَةُ إلى امتثال ما يحبُّه اللهُ - تعالى - بِطِيبِ نَفْسٍ، وَانْشِرَاحِ صَدْرٍ.
فكلُّ ما في القرآن من الأوصاف الحميدة خُلُقُ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - فكانوالا يشكون منه تصرُّفًا سيِّئًا أبدًا، ولا يقابل أحدًا بما يكره.