ورواية فتواه الموافقة لحديثه المرفوع المتفق على صحته أرجح سندًا ونظرًا من رواية فتواه المخالفة.
واحتجاج فقهائنا أيضًا على أن الإمام مخير في الأسرى بين المن والفداء بقوله تعالى: (( حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاقَ فإمّا منّا بعد وإما فداءً حتى تضعَ الحربُ أوزارَها ) )وهذا نص في التخيير، فيقول فقهاء الحنفية هذا وإن كان نصًا في التخيير إلا أنه مغيّى بغاية مجهولة في قوله: (( حتى تضعَ الحربُ أوزارَها ) )فوضْعُ الحرب أوزارها مجهول لأنه يحتمل أن يكون المراد منه حتى يقف القتال وتنتهي الحرب ويحتمل أن يكون المراد حتى لا يبقى كفار فيقف الجهاد ويحتمل غير ذلك وبالاختصار يحتمل أن الغاية قد وجدت فيرتفع التخيير ويحتمل أنها لا تزال فيبقى التخيير مستمرًا وإذا كان كذلك فالآية ليست نصًا في مدلولها بل مجملة، فيجيبهم فقهاؤنا بأن مجاهدًا وغيره من أثمة التفسير رووا عن ابن عباس تفسيرها بحتى ينزل عيسى عليه السلام وحتى لا يبقى على الأرض مشرك [1] .
هذا وقد يتعين المعنى ويكون اللفظ نصًا فيه لا من جهة الوضع بل من القرينة والمناسبة الملابسة له، ومثاله ما احتج به فقهاؤنا على عدم جواز اشتراء التمر بالرطب بقوله - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن ذلك: (( أينقص الرطب إذا يبس فقالوا نعم فقال فلا إذًا ) )، فيقول المعارضون قوله (( فلا إذًا ) )لا يتم إلا بتقدير محذوف قد يكون (( فلا يجوز إذًا ) )وقد يكون (( فلا بأس إذًا ) )وبهذا الاحتمال يضعف الاستدلال، فنقول لهم إن جوابه - صلى الله عليه وسلم - إنما يطابق سؤال السائل ويكون التقدير حينئذ (( فلا يجوز إذًا ) )لأنه سأل عن الجواز ولأن قرينة التعليل بالنقص تدل
(1) انظر ما نقله القرطبي وابن كثير عن أئمة التفسير حول هذه الآية وما استنبطه منها أبو بكر ابن العربي في كتابه (( أحكام القرآن ) ).