رحلاته في طلب العلم:
وقد وصف الحافظ أبا محمّد الرعينيّ غيرُ واحد من العلماء بالرحّال , وذلك لتوسّعه فيها [1] .
وقبل ذكر رحلاته - رحمه الله تعالى - تجدر الإشارة إلى أنّ للمحدّثين آدابًا في رحلة طلب الحديث يراعونها , فتؤتي الرحلة ثمارها , وتحقّق أهدافها , ومن تلك الآداب أن يبدأ طالب الحديث بالأخذ عن شيوخ بلده حتى يستوفي ما عندهم ويستوعبه , ثمّ يرحل فيحصّل في الرحلة ما ليس عنده [2] .
ولا شك أن الحافظ أبا محمد - رحمه الله تعالى - من أحرص الناس على التمسّك بهذه الآداب , فقد بدأ طلب الحديث ببلده مالقة , وسمع منه كثيرًا , وكتب بخطّه ولقي رجال أهل العلم والفضل , وأخذ عنهم [3] , أمثال أبي الحجاج ابن الشيخ (ت 604 هـ) , وأبي محمّد بن القرطبي (ت 621 هـ) , وأبي العباس الحجري المعروف بابن الجيّار (ت 624 هـ) [4] .
ثمّ انتقل من مالقة إلى حصن اصطبة , ويقع هذا الحصن على مقربة من قرطبة , فسمع به من أبي إسحاق الزوالي الخولاني (ت 616 هـ) [5] , وغيره.
ثمّ خرج من الأندلس متوجّهًا إلى الحجاز لأداء فريضة الحج والاستفادة من علماء الحرمين الشريفين , فسمع بمكة من أبي محمّد القصار (ت 608 هـ) [6] , وأبي طالب الخفيفيّ الأبهري (ت 624 هـ) .
(1) انظر: ملء العيبة (5/ 46) , والسير (23/ 22) , وتذكرة الحفاظ (4/ 1457) , وطبقات الحفاظ ص:509.
(2) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 224) , والرحلة في طلب الحديث ص:29 , واختصار علوم الحديث ص:152 , وفتح المغيث (3/ 376) .
(3) انظر: تراجم مغربية من مصادر مشرقية ص:86 - 87.
(4) انظر: الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة ص:495 , وتاريخ الإسلام (46/ 116) .
(5) انظر: تاريخ الإسلام (46/ 116) .
(6) انظر: صلة الصلة (4/ 5) , وسنة وفاة شيخه القصّار هذه تعدّ الأولى في تاريخ بدئه بالرحلة في طلب الحديث خارج بلاده الأندلس لأن ابن الزبير قد نص على أنّه بقي بالمشرق ثلاثًا وعشرين سنة, وكانت عودته إلى الأندلس في أوائل سنة إحدى وثلاثين وستمائة فيكون قد أخذ عن القصار في السنة التي توفي فيها , وعلى ذلك فهو من آخر من حدّث عنه. وانظر: الذيل والتكملة ص:496.