الصفات الأربعة للمهاجرين الأولين يدل على غاية الفضيلة ونهاية المنقبة، وأن ذلك يوجب الاعتراف بكونهم رؤساء المسلمين وسادة لهم. [1]
فصل: ومما يجب أن يعلم في هذا المقام، أن الزلات والهفوات والأخطاء التي تقع - وذلك لا بد كائن - من ذوي السبق، لا يعني ذلك بحال من الأحوال أن تكون سببًا في إلغاء تاريخ التضحيات التي قدمها السابق في الهجرة والجهاد، بل هي من السيئات والزلات والعثرات التي تغرق في بحر الحسنات المجيد، وإذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث، بل المندوب في ذلك وكما قال عليه الصلاة والسلام: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا حدًا من حدود الله [2] . قال ابن القيم في بدائع الفوائد: هم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستورًا مشهورًا بالخير، حتى كبا به جواده، ونبا عضبُ صبره، وأُديل عليه شيطانه، فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته، بل تقالُ عثرته، ما لم يكن حدًا من حدود الله، فإنه ينبغي استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع. [3]
ويا ترى من أحق من المجاهدين، من أحق من معلمي الناس الخير، من أحق من حاملي لواء هذا الدين، من أحق من دعاة التوحيد في زمن الجاهلية، مَنْ أحقُّ منهم بإقالة العثرة، وستر الزلة، وغض الطرف عن الهفوة.؟!!
(1) - تفسير الرازي ج 15 ص 165 - 166.
(2) - رواه أحمد وأبو داود وغيرهم، وحسنه ابن حجر في الفتح، وقال عنه الألباني حديث صحيح.
(3) - بدائع الفوائد ج 3 ص 661.