لقد أنعم العلي القدير على عباده النافرين حراس الثغور، وحملة لواء الجهاد والدين، وخصَّهم عن غيرهم بمزايا لم تجتمع في سواهم من الناس، قال تعالى: {والذين جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين} ، قال ابن الجوزي في زاد المسير: والذين جاهدوا فينا أي قاتلوا أعداءنا لأجلنا لنهدينهم سبلنا أي لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وقيل لنزيدنهم هداية وإن الله لمع المحسنين بالنصرة والعون، قال ابن عباس: يريد بالمحسنين الموحدين، وقال غيره: يريد المجاهدين وقال ابن المبارك: من اعتاصت عليه مسألة فليسأل أهل الثغور عنها لقوله لنهدينهم سبلنا. [1]
وقال القرطبي رحمه الله: قال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول:"لنهدينهم"وقال الضحاك: معنى الآية، والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل الثبات على الإيمان. [2]
وهذا الفهم الذي حباهم الله إياه واستأثرهم به عن سواهم لم يأت من عبث، بل هو جزاء نفرتهم وانشغالهم عن لذائذ الحياة وشهواتها بدفع أعداء هذا الدين، ومصاولتهم ومناجزتهم في ميدان الحتوف ومظنة القتل، يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في الظلال: الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه ويتصلوا به، الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا فلم ينكصوا ولم ييأسوا، الذين صبروا على فتنة النفس وعلى فتنة الناس،
(1) - زاد المسير ج 6 ص 285.
(2) - تفسير القرطبي ج 13 ص 365.