الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب، أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيِّعَ إيمانهم، ولن ينسى جهادهم، إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضيهم، وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم، وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم، وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء. [1]
وعلماء أهل الثغور هم مظنة العلم والفهم والإحاطة، ولا تكاد تجد مسألة من مسائل الدين أو الدنيا إلا ولهم فيها خبر على العموم والإجمال، وهذا ما يفسر قول السلف إذا اختلف الناس في مسألة فانظروا ما عليه أهل الثغور، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم، لأن الله يقول: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. وفي الجهاد أيضًا حقيقة الزهد في الحياة الدنيا وفي الدار الدنيا، وفيه أيضًا حقيقة الإخلاص فإن الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرياسة، ولا في سبيل المال، ولا في سبيل الحمية، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل ليكون الدين كله لله ولتكون كلمة الله هي العليا. [2]
فصل: واعلم علمني الله وإياك أن كثيرًا من المسائل المهمة في الدين كمسائل توحيد الحاكمية ومسائل الجهاد ونوازله لا تؤخذ من العلماء القاعدين يوم أن تجب عليهم الحركة والنفير لنصرة المستضعفين في الأرض، ولا يُسئل عن مسائل الجهاد إلا أهل
(1) - تفسير الظلال ج 5 ص 2752.
(2) - مجموع الفتاوى ج 28 ص 442.