مما لا شك فيه أن أعمال البر بعمومها متوقف أمر نفاذها والتمكن من القيام بها على السلامة من العدو والتحرز منه كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره، وهذه السلامة وذاك الآمان لا يتأتى من غير الرباط في سبيل الله والسهر على الثغور حفظًا لها وحمايةً من تسلل العدو، ولأجل ذلك جاءت الأخبار بعظيم فضل هذه العبادة، وجليل قدرها، ورفيع منزلتها، حتى قال فيها أبو هريرة رضي الله عنه: لأن أرابط يومًا في سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود، والرباط وبلا شك أفضل من الحج لأنه من جنس الجهاد في سبيل الله، وجنس الجهاد أفضل من جنس الحج، كما دلت على ذلك الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، والرباط في سبيل الله أفضل من مجاورة مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس، كما نص على ذلك أئمة الإسلام.
ومعنى الرباط كما جاء في الشرح الكبير لابن قدامة: الإقامة بالثغر مقويًا للمسلمين على الكفار، والثغر كل مكان يخيف أهلُهُ العدو ويخيفهم، وأصله من رباط الخيل لأن هؤلاء يربطون خيولهم وهؤلاء يربطون خيولهم كل يعد لصاحبه فسمي المقام بالثغر رباطًا وإن لم يكن خيل. [1]
فصل: وأقل الرباط ساعة كما قال الإمام أحمد وأبو الخطاب وابن الجوزي وغيرهم، كذا ذكره صاحب الإنصاف، وتمامه أربعون يومًا كما روي ذلك عن أبي هريرة،
(1) - انظر الشرح الكبير ج 10 ص 374.