إن المتبصر في كتاب الله والمبحر بين ثناياه يدرك أن العلي القدير، يدرك أن العليَّ القدير عظّم أمرَ اجتماع كلمة المسلمين وأعلى شأنها وأجلّ قدرَها، وذلك لما يترتب على الاجتماع من فوائد جليلة ومصالح عظيمة لجملة المسلمين، وحذّر كلَّ التحذير من اختلاف كلمة أبناء هذا الدين، وذلك لما يترتب على الفرقة والاختلاف، من عواقب وخيمة ومفاسد جسيمة كبيرة، لا بد أن تنال كل موحد غيور على دينه وعقيدته.
ففي مواطن عديدة من الذكر الحكيم، أمر أرحم الراحمين أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بالتزام جماعة المسلمين، ونهاهم عن التفرق في الدين، وذم الفرقة والاختلاف أيما ذم ولا ذم على ما يكون من الدين كما قال ابن حزم في الإحكام في أصول القرآن، فقد قال جل وعلا مخاطبًا ورثة الحق المبين، وإلى يوم الدين: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} . وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ} .
وغير هذا كثير في كتاب الله مما يأمر بالاجتماع والألفة، وينهى عن الاختلاف والفرقة، وهو من أعظم ما أوجبه الله ورسوله على المسلمين، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل الله جميعا وأن لا يتفرق هو من أعظم أُصول الإسلام ومما عظمت وصية الله تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلى الله علية وسلم في