جميع التكاليف التي بلغها محمد صلى الله عليه وسلم ولم يتمردوا، فقوله: {إِنَّ الذين ءامنوا} يفيد هذا المعنى.
وثانيها: {وَهَاجَرُوا} يعني: فارقوا الأوطان، وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله، ومعلوم أن هذه الحالة حالة شديدة، قال تعالى: {أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم} جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النفس، فهؤلاء في المرتبة الأولى تركوا الأديان القديمة لطلب مرضاة الله تعالى، وفي المرتبة الثانية تركوا الأقارب والخلان والأوطان والجيران لمرضاة الله تعالى.
وثالثها: {وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله} أما المجاهدة بالمال فلأنهم لما فارقوا الأوطان فقد ضاعت دورهم ومساكنهم وضياعهم ومزارعهم، وبقيت في أيدي الأعداء وأيضًا فقد احتاجوا إلى الإنفاق الكثير بسبب تلك العزيمة، وأيضًا كانوا ينفقون أموالهم على تلك الغزوات، وأما المجاهدة بالنفس فلأنهم كانوا أقدموا على محاربة بدر من غير آلة ولا أهبة ولا عدة مع الأعداء الموصوفين بالكثرة والشدة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أنفسهم في سبيل الله.
ورابعتها: أنهم كانوا أول الناس إقدامًا على هذه الأفعال والتزامًا لهذه الأحوال، ولهذه السابقة أثر عظيم في تقوية الدين قال تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} وقال: {والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِي الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} ، وإنما كان السبق موجبًا للفضيلة، لأن إقدامهم على هذه الأفعال يوجب اقتداء غيرهم بهم، فيصير ذلك سببًا للقوة أو الكمال، ولهذا المعنى قال تعالى: {وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} .. ثم قال: فثبت أن حصول هذه