تفاضل الناس في الحقوق على حسب منازلهم ومراتبهم وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها. [1]
وأن يحفظ لمن سبقه في الدرب حقه، وأن يعرف له سابقته، وأن ينزله المنزلة التي أنزله الله إياها، ولا يأنف من ذلك فهذا منزلٌ أنزله الله إياه، بصبره وتضحياته وبلائه، وهؤلاء السبَّاقون للخير أقاموا سوق الجهاد حال كساده، وبذلوا لأجله المهج وقدموا الأرواح، يوم أن تراجع عن نصرة الدين من تراجع، ويوم أن قلَّ الناصر، وتلاشى المعين، قال عمر رضي الله عنه: ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقَسْمِنَا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشوكاني في معنى ذلك: فيه إشعار بأن التفضيل لم يقع من عمر بمجرد الاجتهاد، وأنه فهم ذلك من الكتاب العزيز والسنة النبوية. [2]
فهؤلاء السابقون في الهجرة والجهاد يُقدَّمون على غيرهم، وتُحفظ لهم أحقيتهم، بل هم سادة المسلمين ورؤساؤهم، وكما روى أشهب عن الإمام مالك: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم، وقد قال الله تعالى:"لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل." [3]
فائدة: ذكر الرازي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ الذين ءامَنُوا وَهَاجَرُوا وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله} أن في هذه الآية أربع صفات أوجبت للمهاجرين السابقين، أن يكونوا سادة المسلمين ورؤساءهم وعظماءهم بلا منازعةٍ من أحد، وأول هذه الصفات: أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقبلوا
(1) - صحيح مسلم ج 1 ص 55.
(2) - نيل الأوطار ج 8 ص 152.
(3) - انظر ذلك في تفسير القرطبي ج 17 ص 239.