ومنهم من كان يجيء من خراسان والعراق وغيرهما للرباط في الثغور الشامية لأن أهل الشام كان يقاتلون النصارى ... ولهذا كثر ذكر"طرسوس"في كتب العلم والفقه المصنفة في ذلك الوقت لأنها كانت ثغر المسلمين حتى كان يقصدها أحمد بن حنبل والسري السقطي، وغيرهما من العلماء والمشايخ للرباط وتوفي المأمون قريبًا منها. [1]
فصل: واعلم أن الصبر على الرباط لا تحتمله إلا النفوس العظيمة، ولا تتكبد مشاق عنائه إلا الأرواح التي اصطفاه الله لخدمة هذا الدين، وهذا ما يفسر ذاك الأجر العظيم الذي ينتظر المرابط. يقول الشيخ الفقيه عبد الله عزام رحمه الله في التربية الجهادية: والصبر على الرباط أشد بكثير من الصبر على السجون، لأن السجن يجد أنه أمرٌ ليس له فيه حل وليس ليده فيه حكم، أما الصبر في داخل الجبهات فهو بيده يتركه متى شاء ويصبر متى شاء، فالصبر في داخل الجبهات صعب ومرير، ولذا كان الرباط في القرآن الكريم مسبوقا بأمرين في الصبر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .اهـ
والقتال أمره سهل يسير على من يسره الله له، ولكن الأمر الشاق الصعب على النفس هو الصبر في الثغور انتظارًا للمعركة، ولقد خَبرنا ذلك فما وجدناه غير الذي ذكرنا، يقول الشيخ المرابط الشهيد عبد الله عزام في التربية الجهادية: فعملية الجهاد عملية شاقة، وأصعب من القتال الصبر على انتظار القتال، وأصعب من القتال الرباط الطويل في انتظار المعركة، هذه عملية شاقة لا تحتملها إلا العلية من نفوس البشر، ولذلك لم يكن الإسلام بعيدًا عن منطقه إذ فرض الجهاد، وقد بقيت الفترة المكية
(1) - الفتاوى الكبرى ج 27 ص 52 - 53.