ومعلوم أن الجهاد هو ضربٌ وبابٌ عظيم من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الجصاص في أحكام القرآن، وغيره من العلماء، وكما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد له من موالاة وتعاضد ونصرة وقوة وإمارة كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} الآية وكذلك الجهاد لا بد له من موالاة وشوكة وقوة وتكاتف واجتماع حتى يتم كما يحب الله ويرضى، وإن لم يكن ذلك فلن يقوم للمسلمين قائمة، ولن يتفيؤا ظلال التوحيد فوق هذه البسيطة إلا أن يشاء الله.
واعلم أن خصومات المجاهدين ونزاعاتهم وفرقتهم واختلافهم، هو جوهرٌ ثمين لأعداء هذا الدين، ولطالما تربصوا به تربص الذئب بفريسته لتحقيق مآربهم وطموحاتهم، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
وكم رأينا من قدم قد زلت في هاوية سحيقة، لمفارقتها جماعة المجاهدين، وانطوائها على نفسها، وانشغالها بأمنيات قد زينها الشيطان وحببها إليها، ولكن النتيجة كانت الفشل والضياع، والارتداد على الأعقاب، نسأل الله العفو والعافية، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية كما جاء في الحديث: ما من ثلاثة نفر في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. [1]
قال الطيبي رحمه الله: هذا من الخطاب العام الذي لا يختص بسامع دون آخر تفخيما للأمر، شبه من فارق الجماعة التي يد الله عليهم ثم هلاكه في أودية الضلال المؤدية
(1) - رواه أبو داود بإسناد حسن، وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم،.