فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 288

ولا تكن غليظًا فينفض الجمع عنك، فلا تجد نفسك إلا وحيدًا، قد جفاك القريب منهم والبعيد، وتذكر دائمًا أن الإنكارَ -كما قرر أهل العلم- هو في الأمور المنصوص على حرمتها وليس في الأمور التي يسَعُ فيها الخلاف، كما روى أبو نعيم بسنده عن سفيان الثوري قوله: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه. [1]

وإن كان ولا بد من الإنكار وفي جميع الحالات، فعلى وجهِ البيان والنصح، وباللين والحكمة والأناة. قال الإمام أحمد رحمه الله: الناس يحتاجون إلى مُداراة ورفق في الأمر بالمعروف وبلا غلظة، إلا رجلا مباينًا، معلنًا بالفسق والرَّدى، فيجب عليك نهيهُ وإعلامه، لأنه يقال: ليس لفاسقٍ حرمة، فهذا لا حرمة له. [2]

فصل: وإن ترتب على إنكار المنكر منكرٌ أعظم منه، ومفسدة أكبر، سقط فرض الإنكار وغدا الواجب في هذه الحالة ترك الإنكار لإجماع المسلمين على وجوب ارتكاب أخف الضررين عند تعيّن ارتكاب أحدهما، ودليل ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها: قال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: يستفاد منه ترك المصلحة، لأمن الوقوع في المفسدة، وترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه. [3]

(1) - انظر الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ج 2 ص 69.

(2) - انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ص 35.

(3) - انظر فتح الباري ج 1 ص 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت