ووضعوا شروطًا لهذه الأركان تشبه كثيرًا شروط الأصوليين له، كما أنّهم قسّموا القياس في اللغة إلى قياس الأولى والمساوي وقياس الأدون، ومثلوا للأوَّل بإعلال الجمع قياسًا على المفرد، من ذلك قولهم قِيَمٌ ودِيَمٌ في قيمة وديمة، ومثَّلوا للثاني بإعلال المصدر لإعلال فعله، وتصحيحُه لصحَّته، كقُمْت قيامًا وقاومْت قوامًا، ومثَّلوا للثالث بأفعل التفضيل وأفعل التعجب، فإنّهم منعوا أفعل التفضيل أن يرفع الظاهر؛ لشبهه بأفعل التعجب وزنًا وأصلًا وإفادة للمبالغة، وأجازوا تصغير أفعل في التعجب؛ لشبهه بأفعل التفضيل في ذلك.
وذكروا أنواع العلل، فذكروا العلَّة البسيطة وهي التي يقع التعليل بها من وجه واحد، والمركَّبةَ وهي التي يقع التعليل بها من عدَّة أوجه، وذكروا العلة القاصرة واختلفوا في التعليل بها. وهذه الأنواع من العلة وكذا الخلاف في التعليل بالقاصرة ذكرها الأصوليون على النمط نفسِه [1] [16] . مثاله: هؤلاء مسلميّ فإن الأصل: مسلمِوي فقلبت الواو ياءً لأمرين كل منهما موجب للقلب: أحدهما اجتماع الواو والياء، وسبق الأولى منهما بالسكون، والآخر أنَّ ياءَ المتكلم أبدًا يَكسر الحرف الذي قبلها؛ فوجب قلْبُ الواو ياءً وإدغامُها ليمكن كسر ما تلاه.
وذكروا أن مسالك العلة عندهم الإجماع: أي إجماع أهل العربية على أنّ علّة هذا الحكم كذا.
الثاني- النص: بأنْ يَنُصَّ العربيُّ على العلة. قال أبو عمرو:"سمعت يمينًا يقول فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها، فقال له: أتقول جاءته كتابي؟!، فقال: نعم أليس بصحيفة؟".
الثالث- الإيماء: كما أنَّ قومًا قالوا للنبيِّ - - - رمضان الله - - ربيع أول -: نحن بنو غيان، فقال: أنتم بنو رشدان. فقد أشار إلى أنّ الألف والنون زائدتان وإن لم يتفوّهوا بذلك، غير أنّ اشتقاقه إياه من الغيُّ بمنزلة قولنا نحن: إنّ الألف والنون زائدتان [2] [17] .
الرابع- السَّبْرُ والتقسيمُ: بأن يذكر الوجوه المحتملة، ثم يختبر ما يصلح للعلية، وهو نفس تعريف الأصوليين للسبر والتقسيم. مثاله: كما قال ابن جني: إذا سئلت عن وزن مروان فلا يخلو إما أن يكون"فعلان"، أو"فعوالًا"، أو مفعالًا"، ثم يُفْسِدُ كونَهُ مفعالًا أو فعوالًا بأنهما مثالان لم يجيئا فلم يبق إلا فعلان. على نفس طريقة الأصوليين."
الخامس- المناسبة: وهي أن يُحمل الفرع على الأصل بالعلَّة التي علق عليها الحكم في الأصل، كحمل ما لم يسمَّ فاعله على الفاعل في الرفع بعلَّة الإسناد.
(1) انظر: الخصائص، 1/ 173 والاقتراح، ص 70 - 75.
(2) 17 انظر: الخصائص، لابن جني 1/ 248 والاقتراح، ص 83.