وأنكره ابنُ جني كما في البرهان للجويني [1] [130] . وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ تأتي الباءُ بمعنى علا، كما في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [2] [131] ؛ أي: على دينار [3] [132] .
وتأتي الباء للاستعانة، نحو: كتبتُ بالقلم وضربتُ بالسيف.
وتأتي بمعنى المصاحبة، نحو: قولهم اشتريتُ الفرسَ بسِرْجه؛ أي مع سِرْجه.
وبمعنى الظرف، نحو: جلستُ بالسوق.
وللتعدية، مثل: مررتُ بزيد.
الباء عند الأصوليين:
أمّا الأصوليون فأكثر ما يستعملون الباءَ للتبعيض والتعدية، وهو اختيار الرازي في المحصول، والبيضاوي، ونُسب إلى الشافعي.
واختار بعضهم أن تكون للسببية والطرفية، وهو اختيار ابن عبد الهادي من الحنابلة، وأنكرَ ابن جني من اللغويين مجيئها للتبعيض، وقال: لم يذكره أحدٌ، قال في البحر المحيط: قلتُ أثبته جماعة منهم ابن مالك وقال ذكره الفارسي في التذكرة.
إلا أنّ عامَّة الأصوليين قد أثبتوا كونَها للتبعيض، منهم: ابن السمعاني والماوردي والغزالي كما في البحر المحيط للزركشي، واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: {وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم} .
قلتُ: وما ذهب إليه الأصولين هو الأقربُ إلى ظاهر الكتاب لقوله تعالى: {عَيْنا يَّشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَهِ} ؛ أي: يشرب منها، فلما حلّت محل"من"التبعيضية دلّت على التبعيض.
تفريع العلماء على القاعدة:
-إذا قال لزوجته: إن عصيتِ بسفرِك؛ فأنت طالقٌ، فإن قصد بالباء السببية؛ طُلِّقت بسب السفر، وإن لم يقصد السفر بل قصد معصيتها؛ لم تُطلَّق بسبب السفر بل بالمعصية إن حصلت، وإن قصد الظرفية؛ لا تُطلَّق إلا إذا عَصَتْ وهي في السفر لا قبله ولا بعده [4] [133] .
(1) البرهان 1/ 81.
(2) آل عمران، آية 75.
(3) نفس المرجع.
(4) من زينة العرائس لابن عبد الهادي (بتصرف، ص 243.