وأقواله موجزة مكثَّفة، فهو يُومئ إلى المعنى إيماءً، ويدلّ ببعض ما يذكر على آخرَ غيره، فقوله مثلًا:"فلا تغْذُوَنَّ إمَّرةً ولا إمَّرا"مخصوصٌ في ظاهره بالإمَّر [1] ، ولكنه يريد"جميع الغنم، وخصَّ الضأن؛ لأنَّها أعجز عن الطلب من المَعْز، والمعْز تدرك ما لا يدرك الضأن" [2] . وقوله:"لولا نوء الجبهة، ما كان للعرب رفهة"فيه إيجاز لمعانٍ كثيرة، فنوء الجبهة هو أنفع نجوم السماء, بإذن الله، فمطره نافع للأرض [3] ، والرِّفهة, تشمل الرِّفْه في المأكل والمشرب والملبس ومرعى النَّعَم وغيرها.
وهذه المعاني التي جاءت في كلام الساجع مؤيَّدة ببعض الشعر والرجز، فلبعضهم مثلًا:
إذا سُهيلٌ مغربَ الشمسِ طلعْ ... فابنُ اللبونِ الحِقُّ والحِقُّ جَذعْ [4]
وفي الخراتَيْن وغيرهما قال الرّاجز:
إذا رأيت أنجمًا من الأسد ... جبهتَه أو الخراةَ والكتَدْ
بال سهيلٌ في الفضيخ ففسدْ ... وطاب ألبانُ اللِّقاحِ فبردْ [5]
ما يعني أنّها معانٍ شائعة متداولة، يأثِرها خلف عن سلف.
1 -4 أشار البلاغيون إلى أنَّ للمعاني ألفاظًا تشاكلها [6] ، وهو ما يصدِّقه كثير من هذه الجمل، فقد ساير اللفظُ المعنى في هذه السّجَعات، واشتدَّ وقع الألفاظ مع اشتداد المعاني، ورقّ لرقَّتها، مثلما نجد في قوله:"إذا طلع النجم، فالحرُّ في حدْم، والعُشب في"
(1) الإمَّر: الضأن.
(2) المخصص 9/ 17.
(3) انظر: الأنواء والأزمنة 74.
(4) المخصص 9/ 16.
(5) اللسان (خرت) .
(6) انظر: عيار الشعر 11، وقانون البلاغة 150.