وقد رأيت اتخاذها مادة لهذا البحث، مُدخلًا في نطاقه بعض النصوص النثرية التي لم تُنسَب إلى قائل معيَّن، بل تأتي في سياق (قالت العرب) , أو (العرب تقول) ، شريطة أن تكون مسجوعة.
وقد وصفتُها بـ (الاجتماعية) ؛ لوثيق علاقتها بأحوال المجتمع العربي، من حيث إنّها تصوِّر أنماطًا من التفكير، وألوانًا من وسائل العيش، وطرق التواصل.
وقد جعلت هذه الدراسة في أقسام أربعة، بادئًا بدراسة ما قيل في الأنواء، مثنِّيًا بدراسة أسجاعهم في أحوال القمر، مُردِفًا بدراسة أسجاع على ألسنة الحيوان، ثم بدراسة أسجاع أخرى متفرِّقة، خاتمًا ببيان ما يجمع بين هذه الأسجاع من حيث المعاني والأداء.
1 -1 قال أبو حنيفة الدينوري مبيِّنًا أسباب ما قالوا من السجع في الأنواء، رابطًا إياه ببعض أحوالهم:"وقد سَجَعَت العرب في النجوم أسجاعًا بما أدركوا من طول تجربتهم، أحكم علمَها الماضي، وقد ورِثَها الباقي، فسارت متواترة محفوظة، وهي من أشدِّ الأمم تفقّدًا لذلك وعناية به؛ لأنَّ جُلَّهم قُطّانُ بَوادٍ ... تُبّاعُ غيث، قليل على غيره تعويلُهم، فأبصارهم إلى السماء طامحة، وبنواحيها مُوَكَّلة، يطبِيهم البرقُ إذا لمع، والغيث إذا وقع، والماء إذا نقع، ويُظعِنُهم الحرُّ إذا وهَج، ويُجهِدُهم البردُ إذا ركد، فهم بين نجعة وحضور، لهم في كلِّ ريح تُهب، وكوكب يطلع، ونجم ينوء، أمرٌ مُسْهِر أو مُنِيم" [1] .
وفي كلام بعض اللغويين على هذه الأسجاع لهجة تُعلِي قيمتها، وتُبرِز ما تنطوي عليه من قِيَم في المعاني والأداء، يقول الأبهري:"واشتدَّت عنايتهم بما يحدث في الجو من حرّ وبرد ومطر، وما يتجدَّد في الأرض من طلوع نبت وبلوغه، وهَيْجه ويُبْسه، وما يلزم من العمل والسعي ... فوصفوا ذلك عند طلوع كل نجم، بكلام مسجَّع، يأثِره قرن عن"
(1) ربيع الأبرار 1/ 57. وقد جعلت أقوال ساجع العرب في الأنواء ملحقًا أول بهذا البحث.