في كلامه. و"السَّجع من مميِّزات البلاغة الفطرية، فهو في أكثر اللغات يجري باطِّراد في الحِكَم والأمثال" [1] ، وقد عُرِف ميل الأذواق العربية إليه منذ الجاهلية [2] ، فهو هنا متَّصلٌ بما عُرف به كثير من النثر العربي. وهو منهج في بناء الكلام، رأى بعض الباحثين أنه يُورث المهابة، ويحفظ السيرورة، وأنه مظهر من مظاهر الافتتان بالقول [3] .
وغالب سجعاته جاءت منسابة مع السياق الذي هي فيه، ولم يُضطرَّ لتغيير كلمة، إلا كلمة (الطَّرْف) [4] ، فقد جعلها (الطَّرْفة) ؛ ليستوي له السجع [5] .
1 -6 وقد وُفِّق الساجع إلى استثمار ألفاظ الأنواء في بناء ألوان من البديع، كالمجانسة بين (الطَّرفة) و (الطُّرْفة) ، و (الهقْعَة) و (الفقعة) ، و"جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في كرْب"، ولزوم ما لا يلزم، مثل:"إذا طلعت الطَّرْفة، بكَّرت الخُرْفة، وكثُرت الطُّرْفة"، و:"إذا طلعت البلدة، زَعِلت كلُّ تُلْدة".
ويُلحَظ غيابُ فنَّيْن من البديع كثيرَيْ الورود في كلام العرب، وهما الطباق والمقابلة، فليس في هذه الأسجاع شيء منهما، والعلّة في نظري بادية، وهي أن ألفاظ كلِّ نص قيل في نوء من الأنواء تأتي غير متضادَّة، لأنَّها تخدم معنىً واحدًا في الغالب، فما قيل في نوء الشَّوْلة - مثلًا- كلُّ جمله يفيد معنى اشتداد البرد، وما قيل في سعد السعود يفيد معاني طيب الزمان:"ذاب كلُّ جمود، واخضرَّ كلُّ عود، وانتشر كلُّ مَصْرود".
(1) النثر الفني في القرن الرابع 1/ 75.
(2) انظر: السابق 1/ 85.
(3) انظر: محاورات مع النثر العربي 48، 49.
(4) الطَّرْف: كوكبان بين يدي الجبهة، يُقال: هما عينا الأسد، ولذا قيل لهما (الطَّرف) .
(5) انظر: الأنواء والأزمنة 97.