فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 40

في المتلقّي" [1] . وفيه كذلك وعي باتّساع أفق الحياة، وإغناءٌ لإحساس الإنسان بما في الحياة، وتخفيفٌ من نزوعه إلى القطيعة عنها والاستعلاء عليها، ودعوةٌ له إلى تملِّي صور الجمال في عالم الحيوان [2] ."

3 -4 وممَّا أرتضيه في تفسير الانزياح إلى شعرية التعبير في هذه المواقف، أنَّهم يربّون في أبنائهم ملكاتِ التعبير العالي، وينهجون لهم بها نهجًا قويمًا في مجاراة الناس، ومحاورتهم، ويأملون من خلالها أن يُولدَ فيهم البلغاء، وهم أمةٌ، للبلاغة والبيان عندها نصيب متينٌ من العناية والإكبار.

وقد قال الجاحظ في هذا:"كانوا يُرَوُّون صبيانهم الأرجاز، ويعلِّمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب؛ لأنَّ ذلك يفتق اللَّهاةَ، ويفتح الجِرْم" [3] . ونقل, أيضًا, عن بعض العرب أنَّه يقول:"لولا الدُّربة وسوء العادة لأمرتُ صبياننا أن يماريَ بعضُهم بعضًا" [4] .

وفي الوقت نفسه - ومع ميلي إلى تفسير هذه الأسجاع تفسيرًا عميقًا- أرى فيها ميلًا إلى الإبهاج باللغة، بتوظيف ذخائرها اللفظية، وطاقاتها البيانية؛ لأنَّ بعض تلك الأسجاع - وبخاصة ما أُنطِق فيه الحيوان- لا يخلو من تصوير مضحك، فيه رغبة في التنفيس، وإزجاء الهموم، وتخفيف طوارق الدهر عليهم.

وفيها بعد ذلك تلوين لأساليب الخطاب، وإرهاف للغته، وتشقيق لطرقه في التخييل والسرد والحوار، يُدْني القائل من عالم غني، مليء بالغرائب، ويُدني المتلقي من الجمع بين الفائدة والمُتعة [5] .

(1) إنطاق الحيوان في تراثنا الأدبي 52.

(2) المرجع السابق, ص 55.

(3) البيان والتبيين 1/ 272. والجِرْم: الحلْق. (نقلًا عن هارون محقق البيان)

(4) المرجع السابق.

(5) انظر: إنطاق الحيوان في تراثنا الأدبي 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت