وتقطيع هذا المعنى الواسع في جمل ثلاث قصار، يتماهى مع ما يشعر به القائل من فرَحٍ يتدرّج به من فرحة بالمطر، فاحتفالٍ بظهور العشب، ثم ارتياحٍ واطمئنان لاخضرار الأرض وابتداء الرعي.
وكأنما تعبِّر هذه الجمل المتوازنة عن حال العربي إبان المطر وحين نبات الربيع، فهو في نجعة وارتياد، يتنقَّل مثلما تنقّلت الجمل الثلاث.
4 -2 ومثلما أنطق العرب القمر وبعض الحيوان، أنطقوا كذلك بعض العشب بكلم طريف، فاليَنَمَة [1] تقول:"أنا اليَنَمَة، أغْبُقُ الصبيَّ قبل العَتَمَة، وأكُبُّ الثُّمَال فوق الأكَمَة" [2] .
وقول الينمة ينطوي على الفخر، فالابتداءُ بضمير الفصل: (أنا) متواشجٌ مع نفسية العربي المائلة إلى الفخر بالحسب، والتباهي بالقدرة. ثم إردافُه باسمها معرَّفًا (الينمة) للدلالة على أنَّها معروفة ليست بنكرة. ثم وصفها نفسَها بجملتين وُظِّفت فيهما الاستعارة توظيفًا بديعًا، كلّ ذلك منح هذا النصَّ حيوية تعبيرية تجعله يعلق بالذهن.
وفي هذا القول على لسان الينمة نوع من المعرفة بالبيئة، وضرب من التعريف القسري بها، إذ إنَّهم يضطرون أبناءهم ومن يسمعهم إلى المعرفة اضطرارًا، وهي ليست معرفة عابرة، بل فيها نفع كبير؛ لأنَّ أغلبهم سكان بوادٍ، تؤزّهم الحاجة إلى أن يأكلوا نبات الأرض في كثير من الأحيان، فإذا أدركوا ضروب النبات، وعرفوا النافع والضَّار، تكيّفوا مع هذه البيئة. ولن ينسوا - على تقدير القائل في الأقل- ما قيل في هذه النبتة؛
(1) اليَنَمة: عُشبة من البقول، إذا رعتها الماشية كثرت رغوة ألبانها.
(2) مجالس ثعلب، القسم الأول 285، واللسان (ينم) ، وحدائق الآداب 203 وفيهما"بعد العتمة". وأغبق: من الغبوق, وهو شرب العشيّ، والعَتَمة: ثلُث الليل الأول، والثُّمال كهيئة زبْد الغنم. والمعنى: دَرِّي يُعَجّل للصبي؛ لأنَّه لا يصبر.