الأخيرة صنعةٌ حضريّة. وهذا ما يثير السؤال: أكان بعض النتاج الفني عند العرب إبداعًا متراكمًا صاغته أجيال متلاحقة؟ وهل يعني هذا أنَّ في أدبنا القديم ما يمكنُ عدُّه ملحمة لغوية, تضافرت في إنشائها وتنقيحها عقول وقرائح, تنتسب إلى بيئات متعددة؟
إنَّ ما وجدتُه في هذه الأسجاع يميل بالرأي إلى هذا، ولعلّ محاورة هذه النصوص بمنهج أحكم وأعمق يعطي جوابًا فاصلًا.
3 -1 ذهب العرب مذهبًا آخر في شعْرنة الحياة، فأنطقوا الحيوان بما يختصرُ رؤيتَهم للشدائد التي يعانون منها، فجعلوا البهائم التي تعيش معهم تجيب عن سؤال، وكأنّها في موقف اختبار، فقد قيل للعنز: ما أعددتِ للشتاء؟ فقالت:"الذَّنَبُ ألوى، والاستُ جهوى" [1] ، ويُروى:"يا عنز، جاء القُرّ. فقالت: يا ويلي! ذنَب ألوى، واستٌ جهوى" [2] ، وقيل ذلك للضأن، فقالت:"أُجَزُّ جُفالا، وأوَلَّدُ رُخالا، وأُحلَبُ كُثَبًا ثِقالًا، ولن ترى مثلي مالا" [3] .
(1) المزهر 2/ 546. وجهوى: مكشوفة. ويوحي كلام ابن قتيبة بأن ما قالوه على ألسنة البهائم كثير. انظر: عيون الأخبار 2/ 74. ولكنّ ما وجدته منها قليل.
(2) اللسان (جها) .
(3) عيون الأخبار 2/ 78، والمزهر 2/ 546. واللسان (جفل) ، والأزمنة والأمكنة 2/ 23. وفيه تحريف. والجُفال: الصوف الكثير، والمعنى:"أجَزّ بمرة واحدة، وذلك أن الضائنة إذا جُزَّت فليس يسقط من صوفها إلى الأرض شيء حتى يُجَزَّ كلّه ويسقط أجمع". والرُّخال والرِّخال: جمع رَخْل ورِخْل وهو الأنثى من ولد الضأن، والكُثَب: جمع كثْبة، وهي ملء القدح من اللبن. تقول:"أُحلَب دُفَعًا ثِقالًا من اللبن، وذلك لأنَّ لبنها أدسم وأخثر من لبن المعز". عيون الأخبار 2/ 78.