ثم يعمد الساجع إلى أمر آخر قد لا يكون ذا صلة وثيقة بالأنواء وتغيّراتها، وهو تقويم طباع الناس، بمدح العمل الحسن وذمّ السيئ ضمنًا:
"إذا طلع الشرَطان, استوى الزمان, وخضِرت الأغصان، وتهادت الجيران" [1] . فهو هنا ينعت ظواهر طبيعية، ويُلحِق به ما يُحَسِّن الحياة في نظره:"تهادت الجيران"، وهو بلا شك مرتبط بواقعهم؛ لأنَّ أحوالهم حينئذ تحسُن، فيمكنهم التهادي.
ومثل هذا قوله:"إذا طلعت الطرفة، بكَّرت الخُرْفة، وكثُرت الطُّرْفة، وهانت للضيف الكُلْفة"، فما هذه الجملة الأخيرة - مع انطوائها على البُشرى- إلا حثٌّ على إكرام الضيف الذي له في أدبياتهم شأن معروف، أمَّا قوله:"إذا طلع السِّماك، ذهب العِكاك، وقلَّ على الماء اللِّكاك"، فهو أشبه بالنصح والتقويم للسلوك، إذ يحثّ على إقلال الازدحام على الموارد. وأقول مثل هذا عن قوله:"قصُر النهار للصائم"؛ إذْ يوحي بالحثِّ على انتهاز فرصة قصر النهار بالصيام فيه.
والتوجيه المباشر في هذه الأسجاع قليل جدًا، فلم يأتِ إلا في نصٍّ واحد هو قوله:"إذا طلعت الزُّبانى، أحدَثتْ لكلِّ ذي عيالٍ شانا ... فاجمع لأهلك ولا تَوانى [2] ". ولعلّ هذه الصّراحة في التوجيه هي التي جعلت قوله:"إذا طلع النجم، اتُّقِيَ اللحم، وخِيفَ السُّقْم"يُنسَب لِ"بعض أطباء العرب" [3] .
والساجع يعمد في الغالب إلى الشدائد فيحذِّر منها، ويُلفتُ الناس إلى الاستعداد لها. ويقلّ في سجعاته ذكر الخصب والنعمة؛ لأنَّه موقنٌ بحاجة الناس إلى التعريف بالطارئ المُقلق، والإعداد له، أكثر من حاجتهم إلى تعريفهم بما ينعمون فيه.
(1) المزهر 2/ 528.
(2) الأصل أن يقول: (ولا توانَ) ، ولكنه أبقى الألف ليتحقّق له السجع.
(3) الأنواء والأزمنة 87.