فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 40

حطْم، والعانات في كدْم"، ذلك أن نطق هذه الألفاظ وانسيابها (حدم، حطم، كدم) ليس مثل رِقَّة الألفاظ الماثلة في قوله:"إذا طلع سعد السعود، نضر العود، ولانت الجلود، وكُرِه في الشمس القعود"، ففي النَّصِّ الأخير امتداد في النفَس، يوفّره المدُّ عند التلفّظ بـ (العود، الجلود، القعود) ، وهو امتداد نفَسِي مريح لناطقه، يتماهى مع ارتياح القائل للمعاني التي يتغيّاها."

ولكن امتداد النفَس بالمدود لا يؤدي إلى راحة المتكلِّم إذا اشتمل النصّ على ألفاظ ليست كذلك، مثلما أجد في قوله:"إذا طلع الإكليل، هاجت الفحول، وشُمِّرت الذيول، وتُخُوِّفت السيول"؛ ذلك أنَّ الأفعال التي تواترت فيه (هاجت، شُمِّرت، تُخُوِّفت) - وبخاصة الأخيران اللذان بُنيا للمجهول، فلم يكن التلفّظ بهما سلِسًا- هذه الأفعال اعترضتْ سبيل المدود، فعكَّرت ما توفِّره من راحة للنفَس؛ فكان ذلك أوفر لدقّة التعبير عن المعاني.

ومن مظاهر دقَّة التعبير مجيء التصغير في قوله (طلع النجم غُدَيَّة) , فقد صغَّر الوقت قصدًا؛ لأنَّ الحَرَّ يحتدم من أول طلوع الشمس [1] ، وكذلك التعبير بالفعل (وحوح) في قوله:"وحوح الوِلْدان"، فتكرار الواو والحاء يُشاكل ما يُسمَع منهم عند تشكّي شدة البرد. وهذه الدقَّة تؤيِّد وجهة النظر التي رأت أن الأدب القديم - وبخاصة ما كان شفويًّا- كان أكثر توفيقًا في معالجة اللغة [2] .

وجرس الألفاظ في الغالب مناسب للمعاني، فالنصّ المذكور سلفًا:"إذا طلع النجم، فالحرُّ في حدْم ..."، احتوى (الدَّال) ، وهو حرف انفجاري مجهور، و (الحاء والرّاء والعين) ، وهي أحرف مجهورة، وجاء تركيب الألفاظ مناسبًا لكلمة (النجم) إيقاعيًا، وهو ما سمّاه

(1) انظر: الأنواء والأزمنة 85.

(2) انظر: محاورات مع النثر العربي 353.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت