إن سبب توسع المؤسسات المالية في الاقتراض والإقراض هو الجشع والرغبة في تحقيق الأرباح السريعة فمزيد من الإقراض والاقتراض يعني مزيدا من الإرباح لهذه المؤسسات أما المخاطر الناجمة عن هذا التوسع في الإقراض فهي لاتهم مجالس الإدارة في معظم هذه البنوك والتي تهتم فقط بالإرباح قصيرة الأجل التي يتوقف عليها حجم مكافآت الإدارة، ومن هنا ظهرت أرباح مبالغ فيها ومكافآت مالية سخية لرؤساء البنوك. وهكذا أدى الاهتمام بالربح في المدة القصيرة إلى تعريض النظام المالي للمخاطر في المدة الطويلة وأصبحت الأصول العينية كسند وضمان الإقراض والاقتراض حدثا من التاريخ، وهو ما يعد أحد الإشكاليات التي ظهرت حديثا على سطح العلاقة بين الاقتصاد المالي والعيني بفعل عيوب هيكلية في الاقتصاد المالي [1] .
ثانيا: المشتقات المالية: لم يرجع التوسع في الإقراض فقط إلى تجاهل اعتبارات الحدود المعقولة للرافعة المالية لكل مؤسسة بل النظام المالي في الدول الصناعية قد اكتشف وسيلة جديدة لزيادة حجم الإقراض عن طريق اختراع جديد اسمه المشتقات المالية وهو اختراع يمكن عن طريقه توليد موجات متتالية من الأصول المالية بناء على أصل واحد وقد بدأت هذه الظاهرة بما يسمى"بالتوريق" [2] . فقد سعت المؤسسات المالية الأمريكية إلى تحويل المديونيات الخاصة بالمقترضين إلى مديونيات عامة ومن ثم المتاجرة بها من خلال صكها لسندات تمثل هذه المديونيات وهو ما سمي بالتجارة بالديون أو التوريق. وكان أبرز صور التوريق سندات الرهن العقاري وأخذت هذه السندات صورة أكثر خطورة سميت"بالمشتقات"وهو ما يعني التوريق المتعدد فالمؤسسة المالية صاحبة السند سعت إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الأخرى بضمان هذا السند وحولت الأخيرة الدين الذي لها إلى سند واقترضت من أخرى بضمان هذا السند ... وهكذا وبالتالي اشتق من دين واحد عدد كبير من السندات (المشتقات) حتى إذا عجز المدين الأصلي (المقترض) عن السداد انهارت جميع هذه المشتقات ولما عجز قطاع عريض من المقترضين عن السداد (في القطاع العقاري تحديدا) أفلست كثيرا من المؤسسات المالية وانهارت فظهرت الأزمة وانتشرت كبقعة الزيت بين المؤسسات العالمية على نطاق الكوكب بسبب المشتقات ولا يفترق هذا الوجه عن الوجه السابق إلا في درجة الجشع لفئة قليلة من الناس تسعى إلى تحقيق أرباح طائلة وسهلة على حساب الأغلبية والإضرار بالاقتصاد ككل. ولا تقتصر"المشتقات"المالية على هذه الصورة من
(1) المنسي، رضا،"إشكالية العلاقة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني، مرجع سابق، ص 6."
(2) المنسي، رضا،"اشكالية العلاقة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني، مرجع سابق، ص 6."