الأخرى وهو ما جعلها أكثر بلدا مدينا في العالم [1] . وبتفصيل الأزمة الإيديولوجية في النظام المالي العالمي والتي أدت إلى استحداث إشكاليات جديدة على سطح العلاقة بين الاقتصاد المالي والعيني نجد أنها تتمثل في العناصر الآتية [2] :
أولا: تجاهل اعتبارات الحدود المعقولة للرافعة المالية: إن هناك نوعين من الأصول المالية، أصول تمثل الملكية وأصول تمثل المديونية أما الأصول التي تمثل الملكية فهي أساسا ملكية الموارد العينية من أراضي ومصانع وشركات وهي تأخذ عادة شكل أسهم. وبالنسبة لهذا الشكل من الأصول المالية فهناك -عادة- حدود لما يمكن إصداره من أصول للملكية وإذا كان يمكن المبالغة بإصدار أسهم بقيم مالية مبالغ فيها تزيد عن القيمة الحقيقية للأصول التي تمثلها إلا إن الأمر يظل محدودا لأنه يرتبط بوجود هذه الأصول العينية. أما بالنسبة للشكل الآخر للأصول المالية وهو المديونية، فيكاد لا توجد حدود على التوسع فيها وهنا أصل المشكلة فقد بالغت المؤسسات المالية في التوسع في هذه الأصول للمديونية. وهي ليست مجرد مديونيات فردية وإنما تأخذ عادة شكل مديونيات قابلة للتداول في الأسواق المالية، وبالتالي فهي أشبه بالمديونيات العامة فهي جزء من الثروة المالية وكانت التجارب التاريخية السابقة قد تطلبت ضرورة وضع الحدود على هذا التوسع في الإقراض. ومن هنا استقرت المبادئ السليمة للمحاسبة المالية على ربط حدود التوسع في الاقتراض بتوافر حد ادني من الأصول المملوكة فالمدين يجب أن يتملك حدا أدني من الثروة حتى يستدين خاصة من المؤسسات المالية وأن يتوقف حجم استدانته على حجم ملكيته للأصول العينية ولذلك حددت اتفاقية بازل للرقابة على البنوك حدود التوسع في الإقراض -وبالتالي لاقتراض- للبنوك بألا تتجاوز نسبة من رأس المال المملوك لها فالبنك لا يستطيع أن يقرض أكثر من نسبة محدودة لما يملكه من رأس مال واحتياطي وهذا هو ما يعرف بالرافعة المالية. ورغم أن البنوك المركزية تراقب البنوك التجارية في ضرورة احترام هذه النسب، فان ما يعرف باسم بنوك الاستثمار في الولايات المتحدة لا تخضع لرقابة البنك المركزي ومن هنا توسعت بعض هذه البنوك في الإقراض لأكثر من ستين ضعف حجم رؤوس أموالها، ويقال إن الوضع بالنسبة لبنك ليمان براذرز كان أسوأ وهذه الزيادة الكبيرة في الاقتراض تعني مزيدا من المخاطر إذا تعرض بعض المدينين لمشكلة في السداد كما حدث بالنسبة للأزمة العقارية.
(1) زلوم، عبد الحي،"الأبعاد الإستراتيجية للأزمة المالية"،مجلة الاقتصادية الإلكترونية، عدد 5500، 1/ 11/2008.
(2) المنسي، رضا،"إشكالية العلاقة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني، مرجع سابق، ص 5."