جـ وقد يستغل المحرّف الغالي الوساعة التي تتمتع بها اللغة العربية مثل اتحاد الكلمتين -مثلا- حيث يرجعان إلى أصل واحد من حيث الاشتقاق، رغم اختلافهما تماما في النطق والمعنى، وذلك كثير وروده في اللغة العربية 0
ومثاله القريب كلمة"قال"؛ فقد تأتي بمعنى نام نومة النهار بعد الزوال، كما قال الله تعالى:"وكم من قرية أهلكناها بياتا أو هم قائلون" [1]
وقد تأتي بمعناها الأكثر استعمالا وهو ذكر الشئ أو النطق بالكلام 0 ومعنى الكلمتين مختلف 0 فالأولى من: قَيَلَ يَقِيْلُ قَيْلُولَة [2] 0 وأصل الثانية: قَوَلَ يَقُوْلُ قَوْلا 0 ولكن كلاهما في الفعل الماضي"قال"، و يجتمعان في اسم الفاعل"القائل"- القائلون، وأصل اشتقاقهما من"ق و ل" [3] 0
وهذا مثال فقط في اللغة، لتقريب الفكرة 0 فقد يصطاد الغالون أمثالَ هذه المصادفات في الألفاظ الشرعية، فيتخذونها لغمة سائغة، حيث لا يحتاجون إلى بذل مجهود كبير في تبرير غلوّهم 0
اتخذ المعتزلة قول الله تعالى:"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة"، فحرفوا كلمة"ناظرة"إلى مفهوم: منتظرة، و حَرْفُ"إلى"حرّفوه إلى اسم"آلآء"، ثم إلى جمعه، وهو"إلى"0 وقالوا حينئذ تعني الآية: تنتظر وتترقب هذه الوجوه الناضرة ما يأتيها من نِعَمِ وآلآءِ ربها 0 و ليست تعني أن الوجوه تنظر وترى ربها-رأي العين- بأم عينيها 0
وهذا تحريف ظاهر 0 فقد رد على هذه السخافة الشيخ القشيري حيث قال:"واحد الآلآء يُكتب بالألف لا بالياء"0 يعني يكتب هكذا:"إِلاَ"0
وكذلك أبو شامة، فهو بعد أن قال:"قد اجتمع في الآية قرينتان دالتان على أن المراد بالنظر في الآية: الرؤية 0 أحدهما: تعديته بحرف"
(1) 78 - الأعراف:4
(2) 79 - القرطبي، التفسير، (7/ 163)
(3) 80 - القنوجي، العلم الخفاق في علم الاشتقاق، سوريا: دار البصائر، ط الأولى، 1405 هـ-1985 م، (ص/95 - 96)