ويمتاز هذا الدين بميزة تحمّل العلم، واستمراريةِ التعلم والمطالعة المتجددة والقراءة الواعية، وإيجاد ساحات صالحة للتلاقح الفكري عبر العصور بين الطالب و المعلم 0 و قد أصبح هذا جانبا مهما في أدبية علوم الحديث باسم"الإسناد"، ذلك"الفرقان"- على حد تعبير الإمام ابن تيمية ـ عليه الرحمة ـ:"الذي يُميز به الصدقَ والكذبَ الجهابذةُ النقادُ 0 وجعل (الله) هذا الميراث يحمله من كل خلف عدوله أهل العلم والدين، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، لتدوم بهم النعمة في الأمة، ويظهر بهم النور من الظلمة، ويحيا بهم دين الله الذي بعث رسوله ويبين الله بهم للناس سبيله" [1] 0
و لم تزل هذه النعمة الإسنادية لها أثر ومشابكة واضحة في جميع الأصعدة السلوكية والفكرية والحضارية، وهي تُعبّر عن امتداد الإسلام، و ترسيخ الشرائع والأحكام، وإيصالها متلألئة إلى الأجيال المقبلة، لبناء حاضرها وحضارتها على أسس ثابتة 0
ونظرا إلى المدى البعيد الناجح لهذه الثنائية الطيبة يقول ابن المبارك-عليه رحمة الله-:"الإسناد من الدين، فلولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" [2] 0
وهذا التلاقح الفكري أو الإسناد والتلمذة-بالتعبير الأكثر الدقة-ظاهرة من الظواهر التي فاقنا السلف الصالح بها جراء رعايتهم لها واستيفائهم حقها، وبناء حياتهم على مقتضياتها، حيث يأخذ الشيوخ أنفسهم بأخلاقيات الإسلام بالإضافة إلى التزامهم الكامل بما أوجبه على الفرد المسلم أو استحب له فعلَه من العبادات والمعاملات، فتجلو شفافية الدين و روحانيته عليهم، الأمر الذي يدعو طلاب العلم خصوصا، والشعب عموما، إلى تكثيف الاهتمام للتأدب
(1) 31 ـ ابن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع و ترتيب عبد الرحمن بن القاسم و ولده، السعودية: مطابع الرياض،1381 هـ، (1/ 3)
(2) 32 ـ مقدمة مسلم (1/ 14 - نووي)