بآداب الإسلام والتخلق بأخلاقه المجسدة المرئية على شخص هذا العالِم وذاك 0
العلوم الشرعية، إنما تفهم فهما صحيحا عن طريق التلقي والتلمذة على المتخصصين، فيُبيّنون للآخذين منهم ما يُعمل به، وكيفية العمل، وضوابط العمل، و ساعات الأخذ والترك، وهو ما قاله عبد الله بن وهب-رحمه الله تعالى-:"لولا أن الله أنقذني بمالك والليث بن سعد لضللتُ! فقيل له: كيف ذلك؟ قال: أكثرتُ من الحديث فحيّرني! فكنت أعرض على مالك و الليث، فيقولان لي: خُذْ هذا و دَعْ هذا" [1] 0
وصونا للعلم الشرعي، كي لا يضيعه تلاعب العابثين، ولا يدسّ المتطفلون أنوفهم فيه يُقال من قديم:"لا يؤخذ القرآن من مُصْحَفِي، ولا العلم من صُحْفِيّ" [2] 0 المراد بالمصحفي هو الذي يبدأ ـ رأسا ـ بقراءة القرآن من المصحف الشريف، دونما سابقة تلمذةٍ وعرض على متخصص، يُلقنه المُدود والغنَن، ومخارج وصفات الحروف، وكيفية الانطلاق والوقوف 0
والصحفي بالنسبة للحديث و سائر العلوم، هو الذي يقحم نفسه في قراءة العلوم كعلوم الحديث، وشرح فقهه، دون تحمل مشاق دراسة مصطلحاته وتنزيلها منازلها، والغوص في بطون علم العلل، والحكم على الأسانيد بمعونة المتخصصين 0
ويوم تكون روحانية العلم مجسّدة على المفاصل والأعضاء، و تخرج المواعيظ والعبر من القلوب الخاشعة، فإنها سرعان ما تشقّ طريقها إلى قلوب أخرى ضارعة، و تعمل عملها 0 لذلك ترى الناس-في بعض الأحايين-يلقون جزءا من انطلاقاتهم على مجرد تأمل هدي العلماء بالإضافة إلى النقل الشفهي 0 قال الإمام أبو حنيفة-رحمه الله تعالى-:"الحكايات عن العلماء و مجالستهم أحب إليّ من كثير من الفقه، لأنها آداب القوم و أخلاقهم" [3] 0
(1) 33 ـ القاضي عياض: ترتيب المدارك، الرباط: المطبعة الملكية، د 0 ت، (2/ 236)
(2) 34 ـ ابن أبى حاتم أبو محمد عبد الرحمن الرازي (ت:327 هـ) ، الجرح و التعديل، تحقيق الشيخ عبدالرحمن المعلمي، هند حيدر أباد الدكن: دائرة المعارف، 1371 هـ ـ 1952 م، (1/ 31)
(3) 35 ـ ابن عبد البر يوسف بن عبد الله (ت:463) ، جامع بيان العلم و فضله، (1/ 509/889)