وقد وجدنا أنموذجة فريدة في مقولة ابن سيرين وهديه-إنه رحمة الله عليه-يقول:"كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" [1] 0 - و لعل هذا الاعتبار هو الذي جعل ابن سيرين نفسه يبعث-على ما يرويه مالك-"رجلا، فينظر كيف كان هديُ القاسم بن محمد بن أبي بكر وحالُه" [2] 0 ومن قبل كل ذلك قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" [3] 0
وعلى المعنى نفسه-كذلك-يقول جد أبي عبد الرحمن السلمي:"من لم تُهْدِك رؤيتُه-فاعلم-أنه غير مُهذّب" [4] 0
المتخصصون في علم التربية عموما و التربية الإسلامية خصوصا، متفقون على عظمة هذه النقطة، لذلك لم يفتر اهتمامهم على توجيه الطلاب إلى التشبث بهذه الظاهرة المباركة- إن صح التعبير- وممارستها عمليا، لأنها تمثل الالتزام لمبادئ العلم الموروثة منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وهي من جهة أخرى توطد العلاقة المتينة بين"الشيخ"و"التلميذ"، يتربّى بـ"لِحاظِه قبل ألفاظه"، حتى يتم التقليح التربوي وتنضج الأفكار، وترسو الحقائق الإيمانية في جذور القلوب 0
والشيخ الشاطبي من أولئك الأعلام النبلاء التربويين، الذين لهم يد طولى في توضيح أمثال هذه الحقائق التي كادت تخبت فاعليتها في هذه العصور المتأخرة 0 فإنه يجعل من أمارات العلم المتحقق:"الاقتداء بمن أخذ عنه، والتأدب بآدابه"، ويعلل ذلك بما"علمت من اقتداء الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كل قرن" [5] 0
الإمام اللالكائي- وهو من مَشْيَخَة الحديث- يقول وهو يمتدح الجيل الأول الذين:"أخذوا الإسلام عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، وشرائعه مشاهدة، وأحكامه معاينة من غير واسطة، ولا سفير بينهم وبينه 0 وحفظوا عنه شفاها، وتلقوه من فِيْه رطبا، وتلقنوه من لسانه عذبا، واعتقدوا جميع ذلك حقا، وأخلصوا بذلك"
(1) 36 ـ الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي و آداب السامع، لسعودية ـ الرياض: مكتبة المعارف، 1403 هـ ـ 1983 م، (1/)
(2) 37 ـ المرجع السابق (1/ 79/9)
(3) 38 ـ أحمد، المسند، (5/ 385) و الحاكم، المستدرك، (3/ 75 ـ 76)
(4) 39 ـ البيهقي، شعب الإيمان، (6/ 516/917)
(5) 40 ـ الشاطبي أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، الموافقات، ضبْط وتعليق عبد الله دراز، بيروت: دار المعرفة، د 0 ت، (1/ 95)