فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 77

و يرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه نور، لو كشفه لاحترقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"0"

هذه المسألة مبسوطة في الكتب الكبيرة، و إنما قصدت التدليل على تحريف المحرفين، وتبيان وجه الحق 0 و لنعد فيما بدأنا به 0

واحتال بعض الشيوخ، ليقلل - من جهة - من أهمية إنكار المنكر، وتغييره باليد واللسان، و يرفع من شأن الخمود والاستكانة والاكتفاء بغضبة في النفس دون أن يظهر تمعّرٌ على قسمات الوجه إزاء المنكرات، فحَمَل هذا الحديث:"من رأى منكم منكرا-فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"- حمل اسم الإشارة"وذلك"، على أنه يشير إلى المذكور الأول 0 وأضعف الإيمان عنده هو المغيّر باليد 0 وبنى تفسيره هذا على أساس أن اسم الإشارة درجات: فـ"ذا"للأقرب المذكور، و"ذاك"للمتوسط المذكور، ثم"ذلك"للبعيد المذكور 0 والرسول لم يستعمل"ذا"و لا"ذاك"، و إنما استعمل"ذلك"، وقال إنه أضعف الإيمان 0 وهو-في بداهة ذلك الشيخ-يعني من غيّر باليد 0

وهذا تحريف غال، فاللغة لا تساعد على هذا التفسير من قريب ولا بعيد، وكذلك النصوص من القرآن والسنة المتضافرة 0 فإن التغيير باليد والجهاد بالنفس من أعظم أنواع الجهاد وتغيير المنكر 0 والتغيير في النفس أو بالقلب هو المرتبة الأخيرة، وليس وراءها مثقال حبة خردل من إيمان 0 ولا مجال-طبعا-للمقارنة بينهما 0

ثم إن لفظة"ذلك"صالحة لتعود إلى الأقرب المذكور، والأمثلة وفيرة في القرآن والسنة 0 منها قوله تعالى:"ذلك الكتاب لا ريب فيه"-والقارئ يقرأ ربما يكون المصحف في يده، أو هو يحفظ القرآن عن ظهر قلب، رغم ذلك يردد"ذلك الكتاب"، وهو يعلم أن المعنيّ به القرآن 0 ونظائر ذلك كثيرة 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت