كل عصر خلفا من العدول يحملونه، وينفون عنه تحريف الغالين وما بعده، فلا يَضيْع 0
وهذا تصريح منه بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع، و الحمد لله 0
وهذا من أعلام النبوة، فلا يضر مع هذا كون بعض الفساق يعرف شيئا من العلم، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه، لا أن غيرهم لا يعرفون شيئا منه" [1] 0"
وبمثل هذا قال كل من ابن سيد الناس والذهبي [2] 0 وذهب إليه كذلك أبو الحجاج المزي، كما أبدى الشيخ ابن الجزري تأييده للاتجاه نفسه، وقال:"إن ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب، وإن ردّه بعضُهم" [3] 0
ولست أدري كيف جاء فهم الحافظ العراقي ـ رحمه الله تعالى ـ لكلام ابن عبد البر على وجه معاكس، فإنه راح ينقده بأن جملة"يحمل هذا العلم: صيغة خبرٍ يُراد بها الأمر"0 وأيّد نظرته بأن بعض الروايات تقول:"لِيَحْمِل هذا العلم: بصيغة الأمر"0 واختتم كلامه مؤكدا أنه:"لم يَبْق له مَحمل إلا على الأمر 0 ومعناه أنه أمَر الثقات بحمل العلم، لأن العلم إنما يُنْقل عن الثقات" [4] 0
لعل الحافظ العراقي يرى أن ازدواجية"العلم"و"العدالة"، أو ما نسميه بإطلاق أشمل"مكارم الأخلاق"و"العمل بالعلم"، وحدة متماسكة، لا يطرأ عليها انفصال واقعي في أي حال من الأحوال 0 وهذا ـ بالحق ـ هكذا ينبغي أن يكون، و هو ما ظل القرآن والسنة النبوية يدعوان المسلمين إليه، ولكن ليس صحيحا ألا يدور عدم وجود انفصال واقعي أو نظري بينهما في الحسبان 0 و النظرة كمثل هذه نظرة غير واقعية تنقصها المشاهدة، إذ لا تلازم بين"المعرفة"و"الفضيلة"، و إن كان المتوقع التشابك فيما بينهما واقعيا 0
فإن العلم قد أصبح يحمله العدل ذو المروءة، ومخدوش العدالة ـ كذلك ـ على سواء، حتى عُدَّ من حملة العلم وخاصة بين صفوف رواة الحديث ـ و
(1) 53 ـ النووي، تهذيب الأسماء و اللغات، (1/ 17)
(2) 54 ـ الأنصاري زكريا، فتح الباقي شرح ألفية العراقي، (1/ 199)
(3) 55 ـ نقله ابن الوزير، الروض الباسم، (1/ 21 ـ 22)
(4) 56 ـ العراقي، التقييد و الإيضاح، (ص/139)