لا ريب أن هذا التوجيه الوجيز الكلمات، له أثره البالغ في تكوين شخصية ابنها الإمام 0
إن العلم الذي يغيّر الجلسة و المشية ويهذب النطق، ويخفف من حدة الحدق، والمرتبط - أساسا وغاية - بيوم القيامة، لا بد -بالضرورة- أن يؤثر إيجابيا في السلوك، ويُفعم الشعور بالجدية، ويزرع في العاطفة الاهتمام القوي والحماسة الصادقة 0 وجدير أن يخلق إرادة فعّالة، تشمل بحزمها الأعضاء والأحاسيس، وتعمّر الضمير بكل نافع طيب وصالح مُثمِر 0
و العدل بمفهومه اللغوي هو"الحُكم بالحق"كما قال شيخ اللغة الأزهريُّ 0 و من ثَم يكون الرجل العدل حرَكيا نشِطا، ذا ضمير حي، متصلّبا على الحق الذي بدا له، قد حرّر عقله من التبعية العمياء والتقليد الجاف، ومن الطمع أو خوف أحد غير الله؛ لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تطغي عليه الأنانية وجحود الحق، ولا تستهويه الزخارف الدنيئة والزينة الزائفة 0
وقد لاَحَظَ كلَّ هذا وفوقه الإمامُ ابنُ عبد البر حيث أثبت أنّ:"كل حامل علم، معروف العناية به، فهو عدل، محمولٌ أمرُه ـ أبدا ـ على العدالة حتى يتبيّن جرحُه، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ:"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله 00" [1] 0"
و قد وافقه عليه جماءُ غفيرة من العلماء المتقدمين و المتأخرين، و لا يخفى أنه مقتضى قول الحسن البصري- رحمه الله تعالى-:"كان الرجل إذا طلب العلم لم يَلْبَث أن يُرى ذلك في بصره، و تخشّعه، ولسانه و يده، و صلاته و زهده" [2] 0 و صرّح به الإمام ابن المواق المالكي متأكدا أن:"أهل العلم محمولون على العدالة حتى يظهر منهم خلافُ ذلك" [3] 0
وكذلك الشيخ النووي ظل يؤيّد نظرةَ التعديل لحملة العلم، ويقول إن الحديث"إخبار منه - صلى الله عليه وسلم - صيانة العلم وحفاظه وعدالة ناقليه 0 وإن الله يوفّق له في"
(1) 50 ـ نقل كلامه هذا ابن الصلاح في علوم الحديث (ص/95)
(2) 51 - الدارمي، السنن، (1/ 384 - 385/ 388)
(3) 52 ـ نقله العراقي في شرح ألفيته الصغير (1/ 299) ، والسيوطي، تدريب الراوى شرح تقريب النواوى، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، بيروت: دار الفكر،1409 هـ ـ 1988 م، (1/ 302)