الحافظ العراقي رحمه الله تعالى من أعرف الناس بذلك ـ: أقول حتى عُدّ من كانوا موصوفين أو متهمين بالكذب في عين علماء الحديث أمثال محمد بن عمر الواقدي و سليمان الشاذكوني ومحمد بن يونس الكديمي، و محمد بن زكريا الغلابي و غيرهم، الذين كانوا يُطلق عليهم اسم"الحفّاظ"لكثرة ما حفظوا من الحديث 0 و لم نزل- كذلك- في العصر الراهن نرى بعض الموصوفين بالعلم يرتكبون ما ينقض الدين ويناقض التقاليد القويمة، هذا أوّلا 0
و ثانيا، على فرض أن نداء الحديث موجّه إلى أهل العدالة وحدهم، فإنه لا يسد الطريق لغير العدل حتى يسمع العلم، ويبتعد عن زيغه وينصاع بنور العلم نحو الفلاح، و يكتسب العدالة ساعتئذ 0
ثالثا، وقد اعترض ابن الوزير اليمني ـ رحمه الله تعالى ـ على ذلك التوجيه للعراقي بأن:"الأصل: الخبر، والأكثرُ - (يعنى من رأي العلماء) ـ أن يقرّ على ظاهره، والتأويل من غير ضرورة لا يجوز"0
هذا بالإضافة إلى أن رواية"لِيَحْمِل"ضعيفة عند العراقي نفسه 0 ويقول ابن الوزير وهو يشخّص سبب ضعفها:"إنها معلولة بمخالفة جميع الرواة، إذ كلهم رواه بلفظ الخبر، فالوهم أبعد عن الجماعة" [1] 0
والإنصاف أن لفظة"لِيَحْمل"في رواية، وكونها في أخرى"يحمل"وجهان لعملة واحدة كما يقال، أو أقول اعتباران لمعنى واحد، ولا يقع أيُّ تناقض في مضمونهما، لثبوتهما معا في المجموع، فيكون المراد ـ إذًا ـ في الاعتبار الأول مطالبة العدول بحمل العلم، و في الثاني الإخبار بأنهم أصحاب هذه العملية 0
وقد ضمن الشيخ ابن القيم ـ رحمه الله ـ هذا الاتجاه في قوله:"إن العلم الذي جاء به، يحمله عدول أمته من كل خلف حتى لا يضيع ويذهب 0 وهذا يتضمن تعديله لحملة العلم الذي بعث به، وهو المشار إليه في قوله"هذا
(1) 57 ـ ابن الوزير، تنقيح الأنظار مع توضيح الأفكار، (2/ 127)