ولهذا ظهر في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) , بيان المنازعة؛ لأن الإنسان يستمسك ويؤمر بالتمسك إذا وجد من ينازعه الشيء على ما تقدم, أو كان ما كان خارجًا عنه مضطربًا, وهذا من الأساليب البلاغية في كلام النبي صلى الله عليه وسلم, فالإنسان يستمسك بالشيء لسببين:
السبب الأول: لأمر خارج عنه، فمثلًا: الإنسان إذا تزلزلت الأرض من تحته أو كان في سفينة أو في سيارة أو غير ذلك, ورجت به يقوم بالاستمساك, لأن هذا الأمر خارج عنه.
والسبب الثاني: إذا كان بشيء قائم في ذاته, فمثلًا: إذا وجد الإنسان دوارًا في جسمه أو نحو ذلك أيضًا يقوم بالاستمساك.
فالأول هو عدوه من شيطان الإنس وشيطان الجن الذين ينازعونه, والثاني هي نفسه القائمة في ذاته, فيستمسك من الاثنين بالسنة, حتى لا تسول له نفسه الخروج من السنة, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم استعمل هذا اللفظ، فقال: (تمسكوا بها) , أي: تمسك بها حتى لا تصاب بانحراف من داخلك ولا بانحراف من خارجك, قال: (تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور) , فمن أعظم وجوه البيان والتأكيد أن تأمر بالشيء وتنهى عن ضده, ولهذا النبي قال: (عليكم بسنتي) , ثم قال: (تمسكوا بها) , ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضدها, فقال: (وإياكم ومحدثات الأمور) , مع أن المعنى الأول كاف في ذلك, وهو التمسك بالسنة؛ لأن لازم التمسك بالسنة اترك البدعة, ولازم ترك البدعة التمسك بالسنة, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الأمرين, وهو الأمر بالشيء والنهي عن ضده تأكيدًا على هذا الأمر, وهذا ما ذكر معناه المصنف رحمه الله، فقال: (تصبر نفسك على التمسك به) .
وذلك أن الإنسان كلما ظهر له الدليل وبان له التعليل فإنه يأنس بذلك, ويصبر نفسه عند وجود المخالفين, فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما يبلغ أصحابه بوجود المخالفين, يعني: وطن نفسك سترى من يخالفك في هذا, بخلاف الإنسان الذي لا يعلم بوجود المخالفين ثم يتفاجأ بوجود المخالفين فإنه يضعف, ولهذا كثرت الأحاديث بوجود المخالفين في السنة, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا) .
... الفرق بين الخذلان والمخالفة الوارد في حديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ... )