الثالثة: من قضى الله عز وجل عليهم من المؤمنين دخول النار والخروج منها إلى الجنة، هؤلاء لا يفصل الله عز وجل بينهم قبل دخول النار، وإنما يفصل بينهم في حقه اللازم له، ثم يفصل بينهم في الحقوق التي بينهم بعد الخروج من النار، لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج المؤمنون من النار، فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون حقوقًا كانت بينهم) ، أي: حقوق الدنيا لم تقتص بينهم قبل دخول النار، إنما أجلت لهم إلى ما بعد الخروج من النار وقبل دخول الجنة، ثم يقتصون الحقوق؛ لأنها تفرقهم في المرتبة في الجنة.
وأما من كان له حق من أهل النار على أهل الجنة، ومن كان له من أهل الجنة حق على أهل النار، فإن الله عز وجل يقضي عليه الحق قبل أن يدخلها؛ بمعنى: أنه إذا كان لأحد من أهل النار حق على أحد من أهل الجنة أو العكس، ثم كتب لهذا الجنة، وذاك كتب له النار بموجب آخر، فالله عز وجل يقضي بينهم قبل دخولهم الجنة وقبل دخولهم النار؛ وذلك لما جاء في حديث جابر بن عبد الله في المسند وأصله في الصحيح معلق، قال عليه الصلاة والسلام: (يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلًا، فيناديهم الله عز وجل بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فيقول: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قالوا: يا رسول الله! كيف وإنا نأتي الله عز وجل حفاة عراة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالحسنات والسيئات) ، يعني: تقتصون حقوقًا لا بالقصاص بالضرب أو القتل أو غير ذلك، أو بالدنانير والدراهم، وإنما يبدلها الله حسنات وسيئات، ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يؤجل بعض حقوق العباد الذين كتب الله عز وجل عليهم دخول النار إلى ما بعد الخروج منها، حتى تكون رفعة لهم في الجنة.
فالحقوق المتلازمة لصاحب جنة مع صاحب نار، يعيدها الله عز وجل لأصحابها قبل دخول هؤلاء أماكنهم، وهذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى.
وأما ما يتعلق بالحقوق التي كانت لأهل النار من أهل الجنة، فإن الله سبحانه وتعالى يدخلهم النار، فإذا محصهم بذنوبهم التي من حقه جل وعلا، تبقى الحقوق التي بينهم، ثم يجعلها بعد ذلك في القنطرة التي تكون بين الجنة والنار، يتمايزون فيها بعد ذلك مرتبة في الجنة، فينقص هذا ويزيد هذا بحسب الحقوق.
وبهذا نعلم أن ما كان من حقوق الآدميين فقد قضى الله عز وجل ألا يغفره لصاحبه إلا بإعادة الحقوق إلى أهلها, ولهذا عظم حق الآدميين فيما بينهم على حق الله عز وجل الخاص سوى الشرك؛ لأن حق الآدميين