ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى قيام الساعة) .
ذكر أمرين: الأمر الأول: الخذلان، والثاني المخالفة, والمخالفة تكون من الأبعدين, والخذلان من الأقربين, فالخاذل: الذي تظن به الموافقة ثم يخالف، وهم المنتكسون المرتدون من داخل الدائرة, وأما المخالفون: فهم الأبعدون الذين هم أصلًا ليسوا في الدائرة فأعلنوا الخلاف, (لا يضرهم من خالفهم) ممن كان خارجًا عنهم, (ولا من خذلهم) ممن كان أولى به البقاء فخرج من دائرة الصف, ولهذا يقول الإنسان: خذلني فلان؛ لأنه كان يرجو منه الموافقة, لكن إذا كان عدوًا لا يقول خذلني؛ لأن الأصل فيه المخالفة, فكثر في السنة ذكر المخالفين وكثرتهم؛ وذلك ليثبت الإنسان في هذا, ولهذا قال المصنف رحمه الله مبينًا هذا المعنى: (تصبر نفسك على التمسك به, وتدرأ به عنك شبه الأقاويل, وزيغ محدثات الضالين) .
(شبه الأقاويل) , الشبهات موجودة في أقاويل الناس لا في الوحي, ولكنهم يستلون ما يوافق أهواءهم مجتزئين باترين لبعض النصوص من الكتاب والسنة حتى تؤيد أقوالهم, لكن قد يقول قائل: القرآن فيه متشابهات, نعم فيه متشابهات, والله عز وجل يقول في كتابه العظيم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7] , يعني: هن أصل إنزاله, والمراد منه, والأصل في الكتاب الإحكام.
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7] , والمتشابهات هذه هل توجد المرض في قلب الإنسان والشبهة؟ لا توجد المرض, متى يوجد المرض؟ المرض في قلب الإنسان قبل أن ينظر في القرآن, فإذا كان في قلبه مرض وقرأ القرآن وجد ما يؤيد مرضه إذا كان يريد أن يأخذ القرآن عن طريق التتبع لا عن طريق الكمال, فيأخذه مجتزئًا له؛ بمعنى: أن الإنسان إذا كان صاحب هوى وشهوة ونزوة من الكفر والفسق, أو السرقة, أو الزنا, أو شرب الخمر؛ يرى الناس كثيرًا, لكنه إذا أراد أن يبحث عن شهوة السرقة في الناس سيجد واحدًا منهم عن طريق التتبع يوافقه في هذا ثم يأخذه إليه.
وكذلك كلام الله سبحانه وتعالى فيه إحكام, وفيه تشابه, والتشابه على نوعين: تشابه نسبي, وتشابه مطلق, والتشابه المطلق قال غير واحد من العلماء: لا وجود له في القرآن, يعني: لا يوجد متشابه في القرآن لا يعلمه أحد, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشبَّهات) , وفي رواية: (مشتبهات, لا يعلمهن كثير من الناس) , لكن يعلمها الذين أوتوا العلم, ما من أحد من الناس إلا ويوجد لديه متشابه, لكن المتشابه لديك قد يكون محكمًا عند