طاعن في الوحي الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أيضًا إن طريقة أهل البدع أنهم يذكرون المساوئ ولو قلت, ويدعون الفضائل ولو كثرت, وهذا يدفعهم إلى زراعة الغل والحقد في نفوس المتلقين حتى يقع فيهم الكره والبغض, وما من أحد في الأرض تجمع سيئاته وتترك حسناته إلا كرهه الناس, وما من أحد ولو كان من أهل الفضل والديانة والاستقامة والولاية لا يذكر خيره ويذكر شره إلا وقد كرهه الناس لما يذكر, إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, ولهذا نقول: الإمساك فيما يكون بين الصحابة عليهم رضوان الله تعالى هو هدي السالفين من الصحابة فيما بينهم, فإنهم كانوا يمسكون عما بينهم من الوقيعة, فيمسك المفضول عن الفاضل, ويبين منزلته, ولهذا كانوا يجلون الخلفاء الراشدين الأربعة عليهم رضوان الله تعالى.
... أسباب تفاضل الصحابة فيما بينهم
وتفاضل الصحابة فيما بينهم متباين على ما تقدم, فأفضل الصحابة من جهة الإجمال: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار, وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة:100] , السابقون الذين تقدموا وسبقوا من جهة الإيمان, أقدمهم هجرة أفضلهم, وإنما كان الفضل للسابقين الأولين، واستحقوا قوله جل وعلا: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول أمره ليس عنده قوة وقدرة, والمشركون على تمكن وظهور وجلاء, فالذي على شك وريب لا يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتبعه إلا صادق صديق, ولهذا اتبعه الصديقون، كأبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى، ومن تبعه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا نقول: إن أعظم الناس ولاية وقربًا من الله الذين يتبعون الحق في زمن ضعفه, وأقلهم ولاية هم الذين يتبعون الحق في زمن قوته؛ لأن الناس كلهم يتبعون القوة, وأخطر الناس الذي يتذبذب, يتبع الحق في زمن القوة فإذا ضعف انتكس عنه, فإذا رجع رجع إليه, وهؤلاء يتبعون القوة من جهة الحقيقة لا يتبعون الحق, ولهذا يثبت أهل الإيمان في زمن الزلازل والمحن؛ لأنهم يؤمنون بالحق لذاته مهما تقلبت أحوالهم.
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ذكرهم الله على نوعين ذكر المهاجرين ثم الأنصار, والمهاجرون أفضل من الأنصار؛ لأن المهاجرين جمعوا نصرة وزادوا هجرة, وأما الأنصار فهم في بلدهم لم يهاجروا وهم أهل نصرة, ففضل الله عز وجل المهاجرين على الأنصار؛ لأنهم تركوا بلدهم وجاءوا بما جاء به الأنصار من جهة نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته وتعزيزه, والغزو معه, وإعانته في أمر