أما بعد:
فإنك سألتني أن أوضح لك من السنة أمرًا تصبر نفسك على التمسك به].
بدأ المصنف رحمه الله ببسم الله الرحمن الرحيم اقتداء بالكتاب العزيز وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم في مكاتباته, وإنما ابتدأ بالبسملة ولم يبدأ بالحمدلة أو خطبة الحاجة؛ لأن هذه الرسالة هي في حكم المكاتبات بين الأفراد, فهي رسالة مختصرة فتأخذ في ذلك حكم مكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم, فإنه كان يبتدئ بالبسملة ولا يبتدئ بالحمدلة ولا بالخطبة, فإذا كان الكتاب في ذلك كبيرًا فإنه يأخذ حينئذ حكم الخطب.
ومن العلماء من يرى أن الكتب تفتتح بالبسملة مجردة, وهذا منهج لبعض الأئمة عليهم رحمة الله, وهو ظاهر صنيع بعض الأئمة؛ كالبخاري رحمه الله, فإنه لم يضع خطبة لكتابه, ويظهر أنه اكتفى بالبسملة في كتابه الصحيح, وعلى هذا أيضًا جماعة من العلماء؛ كالإمام أحمد رحمه الله في كتابه المسند, و عبد الرزاق في مصنفه, وغيرهم ممن يجري في هذا المجرى, ولكن لا يجيز أحد منهم أن يبدأ الإنسان كتابه من غير ذكر الله ولو بالبسملة, والسنة في المكاتبات الصغيرة على ما تقدم أن يبتدئ الإنسان بالبسملة لا بالحمدلة.
وهنا في ذكر الدعاء بعد البسملة عصمنا الله وإياكم بالتقوى إشارة إلى وجود شيء من الفتن, والآراء، والأقوال، والأهواء, مما ينبغي للإنسان أن يلتجئ وأن يعتصم بالله سبحانه وتعالى منها, فسبق بذلك الدعاء قبل البيان.
ثم بعدما ذكر الدعاء شرع إلى فصل الخطاب بقوله: أما بعد, وتسمى بفصل الخطاب, وتأتي بصيغة أخرى: وبعد, لكن الأصح في ذلك والذي ترد به النصوص: أما بعد.
وقوله: (فإنك سألتني أن أوضح لك من السنة أمرًا تصبر نفسك على التمسك به) , يظهر في هذا أن السائل إنما سأل سؤال المستعلم والمستخبر, لا المتهم المستبين من قالة سوء ونحو ذلك, فإن هذا من الأدب مع أهل العلم, وكذلك فإن أدعى طريق إلى استخراج كنوز العلم أن يسأل الإنسان أو طالب العلم العالم مستخبرًا مستعلمًا ولو كان يعلم جزءًا من الحق أو شيئًا منه, وألا يُغلب جانب المماراة فيظهر شيئًا من علمه, فإنه إذا أظهر شيئًا من علمه للعالم فربما أمسك العالم عن بيان ما يجهله الإنسان فيحرم بذلك علمًا كثيرًا, ولهذا جاء في حديث أبي سلمة قال: مارينا عبد الله بن عباس فحرمنا علمًا كثيرًا. يعني: أننا كنا نماريه ونناقشه ونجادله ونجعل أنفسنا نظراء له، فيحجم عن بيان المسائل التي نجهلها, فينبغي لطالب العلم في حالة الاستعلام أن