فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 114

مبني على المشاحة لا على المسامحة، وحق الله عز وجل مبني على المسامحة؛ لعظم رحمته سبحانه وتعالى, وأعظم الحقوق التي تكون بين المؤمنين فيما يظهر هو حق النبي في مقابل حق غيره، وحق المجاهد على القاعد؛ كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ومن خلف غازيًا في أهله فخانه فيهم أوقفه الله عز وجل على حسناته يوم القيامة، فيقال له: خذ منها ما شئت، فما ظنكم) ، يعني: ما ظنكم أنه تارك من ذلك, والأمر في ذلك مبني على المشاحة، وهذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يباين بين حقوق العباد بحسب مراتبهم ومنازلهم، فحق الأب على ابنه من جهة المال ومن جهة التعدي عليه يختلف عن العدوان على الأخ، والعدوان على الجار القريب يختلف عن الجار البعيد، كما أن الزنا بحليلة الجار يختلف عن الزنا بحليلة الأبعد، فإنه أعظم، كما أن الوقيعة في نساء المحارم يختلف عن الوقيعة في نساء الأبعدين وإن كان جنس العمل واحدًا.

ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يحترز في حقوق الآدميين قدر وسعه وإمكانه، فإنه لا بد من قضائها يوم القيامة، وقضاؤها يكون فيما يستهلكه من عمره من أعمال وطاعات يفعلها لسنوات يذهب بها رجل واحد بسبب حق من الحقوق, إما حق مالي, أو حق في عرضه، أو حق في دمه، فالاحتراز في ذلك مطلوب، فإن الله عز وجل عدل.

ولو نفذت حسنات الإنسان وما بقي عنده شيء، فإن الله يرجع إلى سيئات الإنسان ويعطيه بمقدارها؛ كما جاء في حديث المفلس في صحيح الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال, ويأتي وقد ضرب هذا -انظروا, لا يوجد فيها شيء من حقوق الله الخاصة، كلها حقوق عامة بين الناس-، ولطم هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) ، وهذا من كمال عدل الله سبحانه وتعالى وإنصافه، ومن كمال عدله أيضًا أن يجعل الحقوق بين المخلوقين شاملة للبهائم في القصاص فيما بينها, مع أنها ليست مكلفة برسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وذلك لأن هذه الأمور مدركة بالطبع، وهذا دليل على شدة وازع الطبع وقوته، وأثره في باب التكليف وعدم العذر.

... رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة

قال المصنف رحمه الله: [فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت