مراتب من طوائف المرجئة، الذين يتساهلون في عدم تكفير من كفره الله سبحانه وتعالى، بل حتى وصل الأمر إلى طوائف منهم فقالوا بأن اليهود والنصارى ليسوا بكفار، وإنما يكفر الوثنيون، ومنهم من يقول: إن الملل الإبراهيمية ملل توحيدية ولا يكفر من انتسب إليها، ومنهم من يرى أن الناس مهما فعلوا فإنهم يسيرون إلى الله عز وجل، ويرون أن كل شريعة وملة تؤدي إلى الله كما تؤدي المذاهب الأربعة في فقه الإسلام، وغير ذلك مما يقوله الملاحدة الأوائل؛ كابن هود وابن سبعين والتلمساني وأتباعهم من الزنادقة المتأخرين من العقلانيين الذين توسعوا في هذا الباب، فأدخلوا طوائف الكفر في الإسلام على اختلاف أنواعهم، ولهذا نقول: لا يحكم لأحد بالكفر إلا من حكم الله سبحانه وتعالى بكفره، إما عينًا وإما وصفًا، فمن وقع في كفر وانتفى عنه العذر فهو كافر اسمًا وحكمًا.
... أنواع البدع وخطرها
يقول رحمه الله: (والبراءة منهم فيما أحدثوا ما لم يبتدعوا ضلالًا) ، يعني: ما لم يبتدع أهل القبلة ضلالًا, فإن البدع على نوعين: بدع مكفرة وبدع غير مكفرة. البدع المكفرة: يأخذ صاحبها حكم الكافر بحسب نوع بدعته، والبدعة غير المكفرة على مراتب: منها اليسيرة وهي البدع السلوكية، ومنها البدع العملية، وأخطر أنواع البدع هي البدع الاعتقادية، كالاعتقاد في أمور الأسباب وغير ذلك كالذين يتعلقون بالأولياء وبركتهم وتأثيرهم، مما لم يرد فيه دليل في الكتاب والسنة.
قال رحمه الله: (ما لم يبتدعوا ضلالًا، فمن ابتدع منهم ضلالًا كان على أهل القبلة خارجًا) ، وبمقدار ضلاله يكون خروجه عن المسلمين، فيوالى ويعادى بمقدار ما يقع فيه من ابتداع وضلال، وتقدم معنا أن البدعة أعظم من المعصية؛ وذلك لخطرها، ولمحبة إبليس لها، ولأنها تنمو ويتعصب لها الإنسان، بخلاف المعصية فإن الإنسان إذا اكتفى تركها، وإذا تقدم به العمر وضعفت أسباب المعصية ترك المعصية وهجرها إلى الحق، فالبدعة في الغالب لا يتاب منها، والمعصية في الغالب يتاب منها، ولهذا ما من أحد من الناس إلا وقع في معصية وتاب منها، وأما بالنسبة للبدع فلا يلزم أن يقع فيها جمهور المسلمين.
... التحذير من البدع
قال رحمه الله: [فمن ابتدع منهم ضلالًا كان على أهل القبلة خارجا، ومن الدين مارقا، ويتقرب إلى الله عز وجل بالبراءة منه، ويهجر ويحتقر، وتجتنب غدته فهي أعدى من غدة الجرب] .