فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 114

حينئذٍ يقال: بجواز ذلك, وتختلف مرتبة الجواز في هذا من المشروعية والتأكيد والوجوب، بحسب المفاسد العارضة في هذا، ولهذا المسلمون الذين يعيشون تحت ولايات كافرة ينظر في ذلك إلى قدرتهم، ولكن لا تكون منهم بيعة، وأحوال المسلمين في ذلك تتباين، فمنهم: من يعيش تحت حاكم نصراني، ومنهم من يعيش تحت حاكم بوذي، ومنهم من يعيش تحت حاكم يظهر الإسلام وهو كافر، والناس يتباينون في هذا، فليس لكل أحد يحكمه كافر أن يقال له بجواز الخروج عليه؛ لعظم المفاسد، وذلك لقلة المسلمين ووفرة المشركين وقوة شوكتهم، فتجد مثلًا في بعض الدول الأوروبية أو غيرها توجد أقليات ممن أسلموا فيها، أعدادهم مئات الآلاف أو نحو ذلك، وربما في بلد تجد أعدادهم بالملايين ونحو ذلك، مثل هؤلاء يلتزمون بالنظام العام الذي تصلح به حياة الناس، وأما خروجهم في سواد عظيم من الكفر وعدد قليل من أهل الإيمان، فستستأصل شوكتهم ولا يبقى منهم حينئذٍ شيء، ولهذا نقول: إنهم لا يلتزمون ببيعة، ولا يقرون بولاية، وإنما يلتزمون بالنظام العام الذي تصلح به حياة الناس، من نظام الشُّرط، ونظام الأموال، والبلديات، والمصالح العامة التي يثبت بها أمر الناس وتصلح بها معيشتهم.

يقول رحمه لله: (وترك الخروج عند تعديهم وجورهم) ، وهنا أشار إلى معنى الخروج، ونفي الخروج لا يلزم منه نفي النصح والتوجيه والإرشاد إليهم؛ كما كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يوجهون وينصحون ويرشدون الخلفاء رحمة بهم ورحمة بالأمة بلا هوى أو تربص أو فتنة.

... علاقة التوبة إلى الله بصلاح الحاكم

ويقول: (والتوبة إلى الله عز وجل) ، يعني: أن يتوب الناس مما يفعلون؛ وذلك أن جنس ما يكون في الحكام والسلاطين موجود في جنس الشعوب، فيتداعون إلى الإصلاح فيما بينهم، فلا ينشغلون بإصلاح مفسدة الحاكم عن مفسدتهم، بل يصلحون هذا وهذا بعلم وحكمة بما يعيد الأمور إلى نصابها.

يقول: (والتوبة إلى الله عز وجل كيما يعطف بهم على رعيتهم) ، يعني: ما يصلح به شأنهم، ويعودون به إلى الحق، ويتجرد حينئذٍ من المعاصي والسيئات.

... صور الإنكار على العصاة من أولي الأمر

والإنكار على الخلفاء والأمراء فيما يقعون فيه من منكرات وشر على صورتين:

الأول: منكر يقع فيه الحاكم لازم في نفسه، كالمنكرات التي تتعلق بالمحرمات والتي تكون خاصة بالحاكم، مما يفعله في ذاته، أو يفعله مثلًا مع بطانته، أو نحو ذلك، فهذا من المنكرات الخاصة، التي لا يجوز إذاعتها ما أسر بها، فيُنصح فيما بينه وبينه؛ لأنه من المسلمين، ففضيحته في ذلك محرمة؛ لأنه يسر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت