لقد رأيت ملوك فارس، ورأيت الروم, والله ما رأيت رجلًا يجله قومه كما رأيت محمدًا مع قومه, لقد رأيتهم لا يحدون النظر إجلالًا وتعظيمًا وحياء منه, وإذا بزق دلك أحدهم بزاقه بيده, وإذا توضأ اقتتلوا على وضوئه) , فالذي بزق هو النبي صلى الله عليه وسلم, والذي دلك والذي اقتتل على الوضوء لم نعرف اسمه، لذا هذا الرجل الذي نقل هذا الخبر إلى أولئك كسر قلوبهم بهذا الخبر؛ فهذه عبارة جاءت يسيرة جدًا, لو أراد الإنسان أن ينظر إليها من جهة التاريخ ما قيمتها على أنها فضل, نجهل الأسماء، ونجهل حقيقة أولئك الذين قاموا بهذه الأفعال، ونقلت كهيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حوله, كسرت هيبة كسرى، وكسرت هيبة قيصر, وعظم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس, من هؤلاء الذين اقتتلوا على الوضوء؟ من هؤلاء الذين دلكوا أيديهم ببزاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وصل خبرهم من وصل, ثم فتحت لأجلهم مكة؟ نقول: إن هؤلاء الذين نقل عنهم الخبر اليسير في نصف سطر خير من أعمار التابعين وأعمار أتباعهم.
ولهذا من يمسك عن فضل الصحابة لعدم وجود نص بالفضل، إنما أمسك؛ لأنه يلتمس فضائل حرفية تذكر في التاريخ, ولكن الله سبحانه وتعالى ذكر فضلهم مما لو نص عليه ما استوعبه أحد, من تكثير السواد, ووجودهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتهيبهم لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وربما أقوام دخلت في الإسلام لأجل أمثال هذه الأحوال التي لا قيمة لها عند كثير من المؤرخين, وربما لا يذكرونها في جوانب فضائل الصحابة عليهم رضوان الله.
لهذا أعظم أبواب الشر والفتنة للإنسان أن يدخل في أبواب تقييم الصحابة والطعن فيهم؛ لأنه لو دخل في ذلك دخل في باب عظيم من أمور الترجيح وتفضيل هذا على هذا, وهذا قد وقع في زلة, وهذا وقع في كذا, وما يدريه أن الله سبحانه وتعالى قد غفر لهم ما يأتي من أعمالهم بما مضى وسلف من صالحاتهم.
ولهذا نقول: إن غفران الذنوب عند الله سبحانه وتعالى للسيئات بالحسنات أن الله يغفر السيئة السابقة بالحسنة اللاحقة, ويغفر السيئة اللاحقة بالحسنة السابقة, وهذا معلوم, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث حاطب قال: (لعل الله اطلع على أهل بدر) , فالحسنة هنا سابقة, (فقال: اعملوا ما شئتم) , يعني: مما يأتي من الأمور.
ولهذا الله عز وجل قد يلطف بعبده لسابقته في الخير, فماذا قدمت؟
ومن التنظير الخاطئ لدى بعض أهل البدع، وبعض من يكتب في التاريخ أو يتكلم في السير يقول: فعلوا وفعلوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, نقول: نعم وإن فعلوا, لكن ماذا فعلوا قبل ذلك, إذًا السابق