قال رحمه الله: (وضجيعاه في قبره) , وذلك أن الله عز وجل قد اختار لهم قدرًا أن يكونا بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في قبره, لذا لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة عليها رضوان الله تعالى, وبقي مكان فيها, وكانت عائشة في الحجرة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيت بها, وكان حالها على حالها السابق, حتى توفي أبو بكر الصديق عليه رضوان الله, فما بقي إلا موضعًا واحدًا؛ دفنت أبا بكر الصديق عليه رضوان الله، ثم بقي مكان واحد فبعث إليها عمر بن الخطاب عليه رضوان الله يستأذنها بذلك, فقالت: إني كنت أريده لنفسي وإني أوثره به, يعني: بهذا المكان, ثم دفن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في ذلك المكان, ثم خرجت عائشة عليها رضوان الله تعالى لضيق مكان حجرتها عن استيعاب شأنها, وربما يكون أيضًا ذلك من باب التعظيم, وحتى لا يكثر الناس دخولًا وولوجًا إليها وكانت الحجرة ابتداءً تفتح بأمر عائشة، يعني: الحجرة التي فيها قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
... حرمة البناء على القبور
وبهذا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تبن على قبره الحجرة, وإنما دفن فيها, وهذا هو الفرق بين القبور التي تدفن ثم يبنى عليها, وهذا هو الأمر المحظور, والأمر المنهي عنه, بخلاف من يدفن مثلًا في دور, أو يدفن مثلًا في أحواش معروفة أو نحو ذلك, فهذا لم يقصد بالبناء من جهة الأصل التعظيم, وكانت العرب ابتداء تدفن في أفنية المنازل وتدفن أيضًا في الحجر, ولهذا يقول الشاعر:
لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد
يعني: يدفنون الناس في الأحواش، ويدفنونهم في البيوت, فإذا امتلأ البيت أو امتلأت الحجرة من أهلها خرجوا منها إلى موضع آخر, فلم يكونوا يستوحشون من القبور كما يستوحش المتأخرون منها, والنهي في ذلك أن يوضع القبر ثم يكون عليه البناء, وإنما دفن النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه الذي مات فيه؛ وذلك لما جاء في حديث أبي بكر: (إن الأنبياء يدفنون حيث يُقبضون) , يعني: في الموضع الذي يموتون فيه, وهذا الحديث جاء من طرق متعددة من حديث أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى وغيره, منهم من يحسنه ومنهم من يضعفه, ولعل العلة في ذلك الدفن قطع الاجتهاد, أي: أن لا يجتهد الناس بنقل النبي صلى الله عليه وسلم في موضع كذا أو موضع كذا أو نحو ذلك, وقد يكون أيضًا فيه قطع لحجة من يحتج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في موضع بناء أو نحو ذلك, فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اختار الله عز وجل